إنما أمرك إلى الله البصير الخبير الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو يراك أين ما كنت وكيف ما كنت. يمكنك أن تتوارى من غيره ولا يمكنك أن تتوارى منه. وتقدر أن تخدع جميع أفراد البشر ولا تقدر أن تخدعه هو. وتستطيع أن تعجز كل من في الأرض ولا تستطيع أن تعجز من خلق السموات والأرض. إنما ينظر العالم إلى ما يظهر لهم من أعمالك وأخلاقك ولكنه عالم الغيب والشهادة يعرف أسرار النفس ونجوى القلب. فمهما أتيت من الأعمال في حياتك الفانية هذه فلا مندوحة [1] لك عن ارتشاف كأس الموت والرجوع إلى المحكمة التي لا تنفعك فيها محاماة ولا ارتشاء ولا شفاعة ولا شهادة زور ولا خديعة ولا غش، يوم يضع ربك الموازين بالقسط ويجزي عباده على أعمالهم جزاء وفاقا.
فالإسلام يثبت هذه العقيدة - عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر - في قلب الإنسان فكأنه بذلك يلقي في روعه حارسًا من الشرطة الخلقية يدفعه إلى العمل ويحثه على الائتمار بأوامر الله - جل وعلا - سواء عليه أكان في الخارج من الشرطة والمحكمة والسجن ما يحمله على القيام بها أم لا. وهذا الحارس الداخلي وهذا الوازع النفسي هو الذي يشد عضد قانون الإسلام الخلقي ويجعله نافذا بين الناس في حقيقة الأمر، وإن كان مع ذلك من تأييد الحكم والرأي العام ما يسهل تنفيذه فذلك أجدى وأزكى، وإلا فالحقيقة إن هذا الإيمان وحده يضمن هداية الفرد المسلم والأمة المسلمة إلى سواء الطريق إذا كانت خالطت بشاشته قلوبهم وتغلغلت هذه العقيدة في نفوسهم تغلغلًا.
زد على ذلك أن تصور الإسلام هذا، للكون والإنسان يهيء عوامل تستحث المرء وتحضه على العمل وفق ما يقتضيه القانون الخلقي، وكفى المرء دافعًا إلى الإذعان لمرضاة الله وامتثال أوامره أن يرضى بالله ربا وبعبادته منهجا في الحياة ويرضاه غاية لها. والعامل الآخر الذي يزيد هذا العامل قوة إلى قوته هو الإيمان باليوم الآخر واعتقاده أن من أطاع الله وائتمر بأوامره فطوبى له في الدار الآخرة السرمدية، فإن يفوز بحياة طيبة ومستقبل زاهر ونعيم مقيم، وإن تحمل في هذه الدار الفانية من صنوف الأذى والآلام والمصائب والشدائد وإن قضى حياته في هذه الدنيا عاصيا لله عاتيا عن أوامره [2] فلا جرم أن مصيره في الآخرة إلى العقاب الصارم والعذاب الدائم، وإن تقلب في الدنيا في صنوف النعم وأنواع الرغد من متاع الحياة الدنيا. فذانكما الرجاء والخوف إذا اجتمعا في رجل واحد وتمكنا من سويداء قلبه فكأنه نشأ في أعماق فؤاده عامل قوي يقدر أن يحثه على الخير ويبعثه [3] على الاستمساك بعروة الحق في أوقات وأحوال ربما يظهر له فيها ضرر. وكذلك يقدر هذا العامل النفسي على أن يقيه [4] منازع السوء ويبعده عن مواضع الفساد والشر في أحوال يتراءى له فيها أن الشر فيه متعة للنفس ومنفعة في هذه الحياة الدنيا.
فالذي يتضح بهذا التفصيل أن الإسلام له تصور خاص للكون ومقياس للشر والخير ومرجع لعلم الأخلاق وقوة منفذة خاصة به وعامل يدفع إلى العمل، وهو يختار في هذا الباب طرقًا غير طرق سائر النظم الخلقية في العالم. فيرتب بمساعدة هذه العوامل نفسها مواد الأخلاق المعروفة وفق مقاديره الخاصة وينفذها في جميع شعب الحياة ونواحيها. فلهذا يسوغ لنا القول بأن الإسلام له نظام خلقي جامع ملائم لطبيعته وتعاليمه.
ولهذا النظام الخلقي خصائص مميّزات لا يمكن استيفاؤها في هذا المقام. إلا أنني أريد أن أذكر ثلاث خصائص بارزة هي زبدتها ولبابها [5] ، بل الحق أنها من أوليات الإسلام في باب النظام الخلقي.
(1) لا مفر.
(2) متكبرا عن تنفيذها.
(3) يدفعه.
(4) يحفظه.
(5) خلاصتها.