الصفحة 11 من 34

فالميزة الأولى: أنه يجعل ابتغاء وجه الرب ونيل رضاه غاية منشودة في الحياة الإنسانية ويجعل بذلك مقياسًا ساميًا للأخلاق لا يقوم معه في وجه الارتقاء الخلقي شيء يعوقه عن الارتقاء والتقدم. وكذلك يقر مرجعًا للعلم. فهو ينعم بذلك على الأخلاق الإنسانية من الثبات والرصانة بما يمكن معه الرقي والازدهار ولا يمكن التلون والتقلب حينًا بعد حين. وكذلك يهيئ للأخلاق من خشية الله تعالى قوة منفذة تحث الإنسان على القيام والاضطلاع بمقتضياتها من غير أن تكون فيها يد لعامل من العوامل الخارجية. وكذلك يلقي في روع الإنسان ويكون فيه بفضل عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر قوة حثيثة ترغب المرء وتشوقه إلى العمل بقانون الأخلاق من تلقاء نفسه.

والثانية: منها أنه لا يشكل ولا يوجد بهذا التحريض والترغيب المحض أخلاقًا وآدابًا مبتكرة غير معهودة، ولا يحاول حط بعض الأخلاق الإنسانية المعروفة ورفع بعضها. فهو لا يتناول من الأخلاق إلا ما كان معروفًا عند جميع الناس، حتى لا يغادر من الأخلاق المعروفة صغيرة ولا كبيرة إلا اقتناها وأخذها كلها. ثم يضع كل واحدة منها موضعها من الحياة الإنسانية ويحلها محلها اللائق بها من مسالك الحياة البشرية ويوسع في تطبيقها على الحياة الإنسانية توسيعًا عظيمًا، إلى أن لا تبقى ناحية من نواحي الحياة ولا شعبة من شعبها كالأعمال الفردية والشؤون البيتية والعشرة المدنية [1] والشؤون السياسية والاقتصادية والسوق والمدرسة والمحكمة والشرطة والمعسكر وساحة الحرب ومؤتمرات الصلح وما إلى ذلك من نواحي الحياة الإنسانية - فلا تبقى ناحية من نواحي الحياة ولا شعبة من شعابها إلا وترى فيها للأخلاق أثرًا جامعا متغلغلا في أعماقها. فالإسلام يجعل الأخلاق مسيطرة في جميع نواحي الحياة ومهيمنة عليها. وهو يريد بذلك أن ينتزع زمام شؤون الحياة من أيدي الشهوات والأغراض والمصالح ويضعه بيد الأخلاق الزكية والآداب الحسنة.

والميزة الثالثة لنظام الإسلام الخلقي: أنه يطالب الناس ويلتمس منهم إقامة نظام للحياة ينهض بنيانه على المعروف ولا يشوبه شيء من المنكر، فيدعوهم قاطبة إلى أن يقيموا الخيرات ويعمموا الحسنات التي نظرت إليها الإنسانية في كل زمان ومكان بنظر الإكبار والإجلال وأن يرفضوا ويقضوا على المنكرات التي طالما نظرت إليها الإنسانية بعين الازدراء والاحتقار. فهذه الدعوة هي التي دعا إليها الإسلام جميع أبناء البشر، فالذين استجابوا له ولبوا دعوته جمعهم على كلمته الجامعة واتخذ منهم أمة مسلمة، وما كان غرضه بجعلهم أمة واحدة إلا أن يجمعوا ما في مستطاعهم من الجهود ويسعوا سعيا اجتماعيًا في إقامة المعروف وتدعيمه وتعميمه وكبح جماح المنكر والقضاء عليه واجتثاث شجرته من جذورها فإن كانت هذه الأمة قد عادت إلى اقتراف المنكر واجتراح السيئات وبدأت تسير سيرة من يقاومون المعروف ويسعون وراء إطفاء نوره، فعلى الدنيا وعلى هذه الأمة السلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(1) الاجتماعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت