الصفحة 2 من 34

"أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ" [1] .

"إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" [2] .

ولا ريب أن الله الذي خلق هو أعلم بمن خلق، وأعلم بما يصلحهم وينفعهم، وأنه أحكم الحاكمين في ذاته وفعله وأمره ونهيه، وأن رحمته بعباده وسعت كل شيء وأنه سبحانه منزه عن مظنة الانحياز لطائفة أو طبقة أو جنس من عباده على آخر، وأنه غني عن منافع ما يشرع من شرائع كل هذه الصفات تجعل التشريع الإلهي بالغا غاية الكمال ومنتهى السمو.

كما أن تجارب البشر على مدار الزمن في مجال التشريع تقطع بانعدام أهليتهم لتنظيم حياتهم، فهاهم يبنون النظم ثم يهدمونها وينتقلون من النقيض إلى النقيض في جيل واحد ويبيحون ما أجمعت الفطرة والعقل والعلم والتجربة على فساده وضرره، كإباحة الخمر والزنا والربا والشذوذ إلى غير ذلك من المفاسد المستشرية في أرجاء الأرض بحكم القانون الوضعي.

وما دام الله سبحانه هو المالك، والإنسان عبدا مملوكا والحياة هبة من الله للإنسان كي يخلفه في الأرض، والإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشر"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ" [3] ،"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا" [4] فيتحتم على المؤمنين بهذا الدين أن ينظموا حياتهم بنظام الحياة في الإسلام، ولكن ما هو هذا النظام وما هي أهم مميزاته وخصائصه؟ وما أثر هذه المميزات في الحياة؟

إن الإجابة على هذا السؤال هي موضوع هذا الكتاب الذي نتشرف بتقديمه إلى إخواننا وما هذا الكتاب إلا نواة أو بلورة صغيرة تقبل البناء حولها والتوسع فيها نظرا لإيجازه الشديد، بيد أن هذا الإيجاز جمع معه الوضوح الشديد والتحديد الدقيق، وما ذلك إلا أنه كان في الأصل أحاديث إذاعية، وهذه بطبيعتها تقتضي هذه الصفات.

يبدأ المؤلف بشرح النظام الخلقي الإسلامي وكيف أنه يرتكز إلى العقيدة في إرهاف المشاعر وإيقاظ الضمائر، وأنه يعتمد على الفطرة في إقرار المعروف وإنكار المنكر، وإنه ثابت لا يتغير ولا يتطور لأنه يتعلق بنفس الإنسان وفطرته ولذلك كان له مرجع ثابت خالد هو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأنه يجعل مرضاة الله سبحانه هي الهدف الأسمى الذي يطمح إليه كل مسلم.

ثم يوضح النظام السياسي وقيامه على توحيد الله عز وجل في العبادة والطاعة والحكم والأمر والنهي أي الاعتراف بحقه وحده في وضع النظم والشرائع والمناهج دون سائر البشر، وذلك عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم وفي كتابه العزيز وسنة نبيه المطهرة، وإن دور البشر هو الخلافة عنه والامتثال لما يريد تطبيقه من شرائع وإن الحاكم المسلم لا بد أن يختاره المسلمون عن رضا ولا بد أن تتوافر فيه شروط منها التقوى والمعرفة التامة بالإسلام والكفاءة الكاملة لتسيير أمور الدولة في السلم والحرب، وهو يستمد شرعيته من أمرين: تطبيقه لشريعة الله، وثقة الأمة فيه واختيارها له، كما أن الشورى قاعدة أساسية من أسس النظام الإسلامي.

وهذا النظام نظام أخلاقي لا يبيح الغش ولا الكذب ولا الخداع ولا الغدر ولا النفاق على عكس المفهوم السائد حاليا للسياسة التي تتخذ من الميكيافيلية منهجا لها، فتبرر الوسيلة بالغاية، وترتكب أفحش الجرائم ثم تسوق مئات الأعذار والتبريرات الكاذبة حتى قال فيها الشاعر أحمد محرم:

(1) سورة الشورى: 21.

(2) يوسف: 40.

(3) سورة آل عمران: 19.

(4) المائدة: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت