فهذه الأمور الأربعة قد اندمجت في تصور النيابة اندماجًا تامًا، حتى أنها تتخيل للمرء بمجرد ما نطق بكلمة (النيابة) وتفوه بها. فإذا رأيت نائبًا لا يفي بهذه الشروط الأربعة ولا يؤدي واجبه وفق مقتضاها، قلت إنه تجاوز حدود النيابة ونقض الميثاق الذي تتضمنه النيابة. فهكذا نرى هذه الأمور الأربعة نفسها مضمرة في تصور كلمة (الخلافة) والإسلام لا يريد بالخلافة إذا قال إن الإنسان خليفة الله في الأرض إلا هذا المعنى بعينه. فلا تكون الدولة التي تقوم بموجب هذه النظرية السياسية إلا الخلافة الإنسانية تحت السلطان الرباني الإلهي، وإنما تكون غايتها المنشودة تحقيق مشيئة الرب تعالى وإرادته مقتدية بهدايته من غير أن تتجاوز الحدود التي أقامها لها ولعملها.
ومما يناسب ذكره في هذا المقام أن الإسلام لا ينوط أمر (الخلافة) بفرد من الأفراد أو بيت من البيوتات أو طبقة من الطبقات، بل يفوض أمرها إلى جميع أفراد المجتمع الذي يؤمن بالمبادئ الأساسية من التوحيد والرسالة ويظهر كفاءته واستعداده للقيام بكل ما تنطوي عليه كلمة (الخلافة) وتقتضيه فإذا وجد في الدنيا مجتمع متصف بهذه الصفات، فلا ريب أنه جدير بالخلافة وأن هذا هو المقام الذي تنشأ فيه وتبتدئ منه فكرة الجمهورية في الإسلام. فكل واحد من أفراد المجتمع الإسلامي له نصيب من الخلافة وحق في التمتع بها. وهذه الحقوق جميع أفراد المجتمع فيها سواء كأسنان المشط. وكذلك لا يحل لأحد أن يحرم هذه الحقوق من شاء من أفراد المجتمع. فالظاهر أن كل حكومة تتهيأ لتسيير دفة هذه الدولة وإرادة أمرها لا تتألف ولا تتشكل إلا بآراء الجمهور وتأييدهم، وهم الذين يخولونها جانبًا من حقوقهم - حقوق الخلافة. فلا تتشكل إلا بآرائهم ولا تعمل عملها إلا بتأييدهم ومشورتهم. فمن نال رضاهم وحاز ثقتهم، ينوب عنهم في القيام بواجبات الخلافة. ومن فقد ثقة أفراد المجتمع به، لا مندوحة له عن اعتزال هذا المنصب الجلل [1] فالجمهورية الإسلامية إذن جمهورية كاملة بالغة في الكمال ملبغًا ليس وراءه من غاية، غير أن الذي يميز الجمهورية الإسلامية من الجمهورية الغربية السائدة المعروفة اليوم في العالم، أن نظرية الغرب السياسية تقول بحاكمية الجمهور، والإسلام يقول بخلافة الجمهور. وبيان ذلك أن حقوق الحكم والأمر في الجمهورية الغربية يستبد بها الجمهور وهم الذي يمتلكون ناصيتها، فيسنون وينفذون في الأرض ما يشاؤون من القوانين والشرائع، وإن قصارى ما تهدف إليه حكومتهم إنما هو إرضاء عامة سكان المملكة وجلب تأييدهم وقضاء مشيئتهم. والإسلام بخلاف ذلك ليس الحكم والأمر فيه إلا الله وحده، فهو الذي يستأثر بحق وضع القانون والشريعة لعباده من غير مشارك ولا منازع. أما الجمهور فليست منزلتهم في الإسلام إلا كمنزلة الخلفاء الذين يضطرون بطبيعة منزلتهم أن يقتفوا آثار الشريعة الإلهية التي جاء بها الرسول من عند ربهم ولا يحيدوا عنها قيد شعره. ولا تكون غاية من شكلوها وألفوها من الجمهور إلا ابتغاء وجه الله تعالى ولتنفيذ أمره في أرضه. وخلاصة القول إن الجمهورية الغربية تتبوأ منصب الألوهية عتوا واستكبارا في أرض الله بغير ما حق وتستخدم قواها ونفوذها حسب ما شاءت وشاء أعضاؤها وأن الجمهورية الإسلامية عبودية اجتماعية لله تبارك وتعالى مقيدة بحبائل شريعته لا تستعمل قواها ونفوذها إلا في ضمن الحدود التي أقامها لعملها مقتدية بالهداية الربانية.
فالآن أريد أن أعرض عليكم - على وجه الإيجاز - صورة واضحة للدولة التي يقوم بناؤها على دعائم التوحيد والرسالة والخلافة هذه.
(1) الخطير.