الصفحة 14 من 34

إن غاية هذه الدولة - كما بين الله تعالى في عدة مواضع من كتابه العزيز - أن تقيم المآثر والمكارم التي يحب الله أن تتحلى بها الحياة البشرية وتبث خيراتها وتبذل الجهد المستطاع في رقيها وتعميم مبراتها، وأن تستأصل وتنفي عن الأرض كل ما يبغضه الله من الفواحش والمنكرات وتطهرها من شوائبها وأدناسها فالإسلام ما جاء ليقيم في هذه الدنيا دولة من حيث أنها دولة ويعني بتدبير شئونها وإدارة أمرها فقط، ولا لأن يهتم بمصالح أمة من الأمم دون سائرها ويستنفد جهوده وحيله في تحقيق مطالبها الاجتماعية كلا، ليس الأمر كذلك، بل الحق أن الإسلام يضع بين يدي دولته التي يقيمها وفق مبادئه وأصوله غاية أسمى وأرفع من ذلك بكثير ويحتم عليها أن تستخدم في سبيل تحقيقها كل ما يتسنى لها من الوسائل وما أوتيت من القوى، وذلك ليظهر ما يحب الله أن تتزين به حياة عباده في أرضه وتصطبغ بصبغته من النزاهة والجمال والخير والرشد والفلاح والسعادة ويقضي على كل ما يتوق منه أن يكون مبعث فساد في الأرض ويأتي على مصالح عباد الله من صنف الشر والفوضى والإباحية. وكذلك يعرض علينا الإسلام صورة واضحة للشر والخير، حتى يمكننا أن نرى في مرآتها هذه المصالح المرضية وهذه الفواحش المنكرة المبغضة فالدولة الإسلامية إذن تستطيع في كل عصر وفي كل بيئة أن تضع برنامجها الإصلاحي إذا وضعت أمام عينها هذه الصورة الواضحة للشر والخير.

والذي يقتضيه الإسلام اقتضاء ويطالب أبناءه بالاستمساك به ألا يحيدوا عن المبادئ الخلقية في شأن من الشؤون. فهكذا يعين لدولته خطتها الوثيقة الدائمة ألا تكون سياستها مبنية إلا على الصدق المحض والعدالة الناصعة والأمانة النقية الطاهرة. وهو لا يرضى في حين من الأحيان أن تركن دولته إلى شيء من الغدر والغش والاعتداء تحقيقًا لمصالحها الوطنية أو الإدارية أو القومية. وهو يؤثر الحق والأمانة والعدل على المآرب والأهواء والأغراض في كل ما يعرض له من الأواصر والصلات بين الراعي والرعية في داخل البلاد وبين أمة وأخرى في خارجها. فيعهد إلى الدولة الإسلامية والذين يقومون بآمرها - كما يعهد إلى الفرد المسلم - أن أوفوا بعهودكم إذا عاهدتم وأفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا [1] الناس أشياءهم. لا تفعلوا إلا ما تقولون ولا تقولوا إلا ما تفعلون. ولا تنسوا ما لغيركم من الحقوق عليكم، كما أنكم لا تنسون ما عليهم من الواجبات لكم. ولا تجعلوا الصولة والمنعة [2] وسيلة للظلم والشطط والاعتداء واجعلوها وسيلة لإقامة الحق والعدل. واعلموا أن الحق حق في كل حال، فسارعوا إلى أدائه، وأن السلطان وديعة من الله، فلا تستعملوه إلا وأنتم مستيقنون إنكم محاسبون عليه بين يدي ربكم حسابًا كاملًا.

(1) ولا تنقصوا الناس حقوقهم.

(2) القوة المادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت