ثم إن الدولة الإسلامية، وإن قامت في ناحية خاصة من نواحي الأرض وفي قطر من أقطارها، لا تحدد الحقوق البشرية ولا الحقوق المدنية بالحدود الجغرافية. أما البشرية مثلا، فيضع لها الإسلام عدة من الحقوق السياسية ويأمر بمراعاتها والمحافظة عليها في كل حال ويوجبها لكل إنسان على وجه الأرض، سواء أكان هذا الإنسان ممن يسكن داخل الدولة الإسلامية أم خارجها، عدوا كان أم صديقا، متوددا كان لها أم معاندا لها بالحرب. والذي يهمه في هذا المقام إنما هي حرمة الدم البشري، فإنه محرم في كل حين ولا يجوز سفكه إلا بالحق ولا يحل في شريعته الاعتداء على النساء والأطفال والعجزة والمرضى والجرحى في أي حال. وحرمات النساء وأعراضهن مما يجب الذب عنه والاحتفاظ به، لا يجوز انتهاكها والاعتداء عليها أبدًا. وكذلك من حق الجائع أن يطعم ومن حق العاري أن يكسى ومن حق الجريح أن يداوى ومن حق المريض أن يواسى، وإن كان هذا الجائع والعاري والجريح والمريض من قوم عدو للدولة متربصين بها الدوائر. فهذه وأمثالها من الحقوق الأخرى إنما قد أنعم بها الإسلام على الإنسان من حيث أنه إنسان، ولها منزلة الحقوق الأساسية في دستور الدولة الإسلامية.
أما الحقوق المدنية فلا يخص بها الإسلام من ولدوا في داخل الدولة الإسلامية فحسب، بل الحقيقة أن كل مسلم أيا كان مولده ومنبته يخوله الإسلام التمتع بالحقوق المدنية بمجرد دخوله في حدود الدولة الإسلامية، ولا يكون حظه منها دون حظوظ الذين ولدوا في تلك الدولة وكانوا أهلها كابرا عن كابر [1] . مهما تعددت الدول الإسلامية في مختلف أرجاء الأرض وكثر عددها، فلا بد لها جمعاء أن يكون أهلها مشتركين في الحقوق المدنية. والمسلم لا يحتاج أبدًا إلى جواز السفر حيثما أراد الدخول في دولة من هذه الدول بل يمكنه أن يترقى إلى ما استطاع ويتأهل لمناصب المسؤولية العليا من غير أن يكترث لشيء من نسبه وعشيرته وطبقته التي ينتمي إليها.
والذين يقطنون [2] الدولة الإسلامية من غير المسلمين قد عين الإسلام لهم حقوقا عديدة، وهي بطبيعة الحال جزء لازم من أجزاء الدستور الإسلامي ولا تنفك عنه أبدًا. فيقال لأمثال هؤلاء من غير المسلمين في المصطلح الإسلامي (أهل الذمة) ، وهم الذين ضمن لهم الإسلام المحافظة على أنفسهم. فلا ريب أن نفوس أهل الذمة وأموالهم وأعراضهم محرمة، كما تحرم نفوس المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولا فرق بين المسلمين وأهل الذمة في شيء من القوانين الجنائية والمدنية ولا يحل للدولة الإسلامية أن تتدخل في شيء من القوانين الشخصية لأهل الذمة ولهم حرية في عقائدهم وأفكارهم وعباداتهم وشعائرهم الدينية.
فهذا غيض من فيض [3] من الحقوق التي أعطاها الدستور الإسلامي رعيته من غير المسلمين، وهي من الحقوق المستقلة الثابتة التي لا يجوز انتزاعها منهم وسلبهم إياها، ما داموا في نطاق ذمتنا وتحت حمايتنا. ومهما اضطهدت دولة غير مسلمة رعيتها المسلمة وأذاقتهم صنوفا من القهر والعذاب، فلا يجوز لدولة إسلامية بإزاء ذلك كله أن تعتدي على رعيتها من غير المسلمين وتحرمهم حقوقهم خلافا للشريعة الإسلامية ونقضا للمواثيق. ولعمر الحق لو قتل كل مسلم خارج دولتنا لا يحل لنا أبدًا أن نهرق [4] في حدود دولتنا ولو دم فرد من أهل الذمة إلا بالحق [5] .
(1) أبا عن جد.
(2) يسكنون.
(3) قليل من كثير.
(4) نريق.
(5) أي إذا اقترف جناية عقوبتها القتل.