وأخيرًا يستعرض النظام الروحاني الذي ينظم العلاقة بين العبد وربه، والمدارج التي يمكن للعبد أن يترقى فيها حتى يبلغ ذروة الكمال الإنساني ببلوغه درجة الإحسان وفيها يعبد الله كأنه يراه ويوضح كيف استطاع هذا النظام أن يقضي على تصور سائد وغريب، يرى أن الروح والجسد نقيضان وأن الدنيا والآخرة خصمان لا يمكن للمرء أن يجمع بينهما في مسيره إلى الله، وأن صلاح إحداهما على حساب ضياع الأخرى ودمارها، الأمر الذي أدى إلى فصل الدنيا عن الدين، وانفلات البشر من ضوابط الأخلاق.
واستطاع الإسلام ذلك بوضع تصور صحيح للعبادة وهي أنها تشمل نشاط الإنسان في كل مجال، في القول وفي المشاعر وفي الأعمال الفردية والاجتماعية، وبذلك نقل مكانها من ساحة المسجد إلى ميدان الحياة، وأمر المسلمين أن يعنوا بحياتهم الدنيا ليكونوا فيها سادة أعزة فهذا هو الطريق إلى الآخرة"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" [1] ، ثم عرض إلى أركان الإسلام الأربعة وعباداته الكبرى الصلاة والزكاة والصيام والحج فألمح إلى بعض حكمها.
وهذا النظام العام للحياة يختلف اختلافًا جوهريًا عن كل النظم الوضعية، عرضنا بعضها فيما سبق ونعرض بعضها فيما يلي:
* إن هذا النظام يضمن أسباب تطبيقه في ذاته، ذلك لأنه نظام رباني وهذا يكفل له الإجلال والتعظيم ومن ثم يمتثل المؤمنون به - له إذعانا وتطبيقا، وبالإضافة إلى أنه يكفل له الرهبة لأن الله الذي أنزله هو الرقيب عليه وهو سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وبذلك يستمر الخضوع له في الخلوة والجلوة، في السر والإعلان.
* إن هذا النظام يشمل كل احتياجات البشر فلا يترك صغيرة ولا كبيرة في أي فرع من فروع الحياة إلا وينظمها لهم.
* إن هذا النظام عام للناس كافة بغض النظر إلى أجناسهم أو ألوانهم أو أوطانهم.
* يترتب على شمول هذا النظام أنه يقي الفرد والمجتمع شرور التمزق النفسي والاجتماعي الناشئ عن تعدّد مصادر التشريع الوضعي في نظم الحياة المختلفة الأمر الذي ينتج أمشاجا متناكرة أو متصادمة كما أن تناقضها مع مبادئ الأخلاق وتعاليم الدين يورث النفوس عذابا داخليا، وألما ممضا، بينما النظام الإسلامي يلم شعث النفس ويقيم فيها سلاما داخليا بصدور جميع النظم عن مشرع واحد هو أحكم الحاكمين، وكذلك يقيم سلاما اجتماعيا بتوحيد نظام الحياة في مصدره وفي حكمته وفي غايته الذي هو ثمرة لتوحيد الله عز وجل. ولقد ضرب الله عز وجل لذلك في قوله:"ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ" [2] .
وإننا إذ نقدم هذا الكتاب نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به المسلمون ويبصرهم بعظمة دينهم، وثراء تراثهم: وسمو مبادئهم، فيعمدوا إلى تطبيقه في حياتهم كلها، ويتخلصوا من النظم الوضعية التي تحكمهم، حتى يتبوّءوا مكانتهم التي ندبهم الله لها"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" [3] .
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ .." [4] .
(1) القصص: 77.
(2) الزمر: 29.
(3) آل عمران: 110.
(4) البقرة: 208.