ومن العجيب من أمر سعيد وصبره أنه في تلك الحال الصعبة تحت الضرب والتهديد بالقتل يأتي إليه قتادة فيسأله أمام الناس فيجيبه على كل ما سأله عنه والناس ينظرون ويتعجبون [40] فانظر إلى حرص قتادة أن يأخذ عنه العلم ويقول: لئلا يفوتني، فهو يخشى أن يقتل سعيد فأراد أن يأخذ منه العلم قبل موته، ثم انظر إلى بأس سعيد، واحتسابه الأجر بالصبر والتعليم، وعدم انشغاله بنفسه في هذه الحال. وهذا درس لكل عالم وداعية إن كنا نريد الدروس والاقتداء بسلفنا الصالح، ثم إن سؤال قتادة له في هذه الحالة تحد للسلطة واضح، ولكنه لم يبال بذلك، ولم ينظر فيه، بل تجاوزه وأصر على سؤاله وهو بهذه الحالة، ولم ينظر إلى غضب الأمير عليه حيث يسأل إنسانًا سجينًا مضروبًا مهددًا بالقتل مغضوبًا عليه من الحاكم.
ولم يكتف الظلمة بما فعلوه بسعيد مما سبق ذكره، فهم أصدروا أمرًا بمنع الجلوس معه وعدم السماح له بنشر العلم، فعن عبد الرحمن بن القاسم قال:"جلست إلى سعيد بن المسيب وهو في المسجد وحده فقال لي: إنه قد نهي عن مجالستي قلت: إني رجل غريب قال: إنما أخبرتك لئلا تصيبك معرة ..." [41] . وكذلك روى ابن سعد في الطبقات تحديَ أبي يونس القزي قال:"دخلت مسجد المدينة فإذا سعيد جالس وحده فقلت: ما شأنه؟ قالوا: نهي أن يجالسه أحد" [42] وعن العلاء بن عبد الكريم قال:"جلست إلى سعيد بن المسيب فقال: إنه قد نهي عن مجالستي" [43] وعن قتادة عن سعيد بن المسيب"أنه كان إذا أراد الرجل أن يجالسه قال: إنهم قد جلدوني ومنعوا الناس أن يجالسوني" [44] .
والأخبار السابقة كلها بأسانيد جيدة وأهم ما فيها هو حرص الناس على العلم، واستعدادهم لتحمل الأذى في سبيل ذلك، وعدم الالتزام بأمر الحاكم في ذلك، ثم نصح سعيد لجلسائه وإيضاحه الأمر لهم حتى يفعلوا ما يفعلونه عن بينة ويتحملون عواقبه، ولا نلمس من الروايات السابقة أنه يلتزم بذلك طاعة لولي الأمر كما يقولون، بل ينبه من يريد المجالسة على خطورة الأمر، ثم يترك له المجال ليستفيد من علم سعيد لا كما يقوله بعض الناس الآن من وجوب الالتزام بهذا الأمر إذا صدر من الحاكم وغاب عن هؤلاء أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومنع العلم والتعليم ونشر الحق بين الناس يعتبر من معصية الله، فلا يطاع الآمر به ولو كان واجب الطاعة، فرحم الله علماء السلف فقد كانوا يفقهون هذه الأمور ويدركونها، ولا ينبغي لأحد أن يحتج بفعل الإمام أحمد عندما منع من التحديث فإنه امتنع ظاهرًا منعًا للفتنة، ولكنه كان يعلم سرًا كما ثبتت بذلك الروايات، ولعله أن تأتي مناسبة ذلك فنشير إليه بالتفصيل.
ولعلنا نختم مواقفه مع الحكام بموقف طريف حصل له مع الحجاج ويبدو أن ذلك قبل أن يتولى الحجاج الولايات، فيروي علي بن زيد بن جدعان وهو من الرواة عن سعيد أنه قيل لسعيد بن المسيب:"ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك؟ فقال والله لا أدري إلا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد فصلى صلاة فجعل لا يتم ركوعها ولا سجودها، فأخذت كفًا من حصى فحصبته بها وقال الحجاج: فما زلت بعد ذلك أحسن الصلاة" [45] ، وراوي الخبر عن علي بن زيد هو حماد بن سلمة وهو من أوثق من روى عنه.