قال: فقال له الرسول: لولا أنه تقدم إليَّ فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك، يرسل إليك أمير المؤمنين يكلمك تقول له مثل هذه المقالة؟ فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيرًا فهو لك وإن كان يريد بي غير ذلك فلا أحل حبوتي حتى يقضي ما هو قاضٍ. فاتاه فأخبره فقال: رحم الله أبا محمد أبى إلا صلابة" [37] ."
وبإسناد آخر جيد يروي ابن سعد في الطبقات عن ميمون بن مهران قال:"قدم عبد الملك بن مروان المدينة فامتنعت منه القائلة واستيقظ فقال لحاجبه: انظر هل في المسجد أحد من حُدّاثنا من أهل المدينة؟ قال: فخرج فإذا سعيد بن المسيب في حلقة له فقام حيث ينظر إليه ثم غمزه وأشار إليه بإصبعه ثم ولى، فلم يتحرك سعيد ولم يتبعه فقال: ما أراه فطن فجاء فدنا منه ثم غمزه وأشار إليه وقال: ألم ترني أشير إليك؟ قال: وما حاجتك؟ قال: استيقظ أمير المؤمنين فقال: انظر في المسجد أحد من حُدّاثي، فأجب أمير المؤمنين فقال: أرسلك إلي؟ قال: لا ولكن قال اذهب فانظر بعض حداثنا من أهل المدينة فلم أر أحدًا أهيأ منك فقال سعيد: اذهب فاعلمه أني لست من حداثه فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلا مجنونًا، فأتى عبد الملك فقال له: ما وجدت في المسجد إلا شيخًا أشرت إليه فلم يقم فقلت له: إن أمير المؤمنين قال انظر هل ترى في المسجد أحدًا من حداثي فقال: إني لست من حداث أمير المؤمنين وقال لي: أعلمه فقال عبد الملك: ذاك سعيد بن المسيب فدعه" [38] .
وقد تكررت له قريبًا من ذلك مع الوليد كما روى ابن سعد بإسناد جيد عن عمران بن عبد الله الخزاعي قال:"فلما استخلف الوليد بن عبد الملك قدم المدينة فدخل فرأى شيخًا قد اجتمع عليه الناس فقال: من هذا؟ فقالوا: سعيد بن المسيب فلما جلس أرسل إليه فأتاه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين فقال: لعلك أخطأت باسمي أو لعله أرسلك إلى غيري قال فأتاه الرسول فأخبره فغضب وهم به، وقال: وفي الناس يومئذٍ بقية فأقبل عليه جلساؤه فقالوا: يا أمير المؤمنين فقيه أهل المدينة وشيخ قريش وصديق أبيك لم يطع ملكًا قبلك أن يأتيه قال فما زالوا به حتى أضرب عنه" [39] .
يقف سعيد من عبد الملك هذا الموقف مع أنه صديقه كما ذكر في الرواية الأخيرة وكما ذكر ذلك عبد الملك في رسالته لسعيد في كتاب المحن لأبي العرب ص 292 إذ يقول:"إلى أخي الخاص من دون الناس"ويبدو هذه الصداقة القديمة قد أفادته عند عبد الملك فلم يلح عليه ولم يؤذه ونفعته عند الوليد عندما ذكره جلساؤه بها فأضرب عنه وقبل ذلك كله حماية الله له لأنه يتقرب إلى الله برفضه مقابلة هؤلاء الظلمة والنظر في وجوههم ولا تنسى أنه القائل: لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم خشية أن تحبط أعمالكم.
ثم تأمل في عقلية الظالم وأعوانه حيث يندهش الرسول من رفض سعيد ويصفه بالشيخ المجنون، والآخر يقول لولا أنه تقدم إليَّ لحملت إليه رأسك، فهم يتصورون أن رفض أمر الخليفة أكبر الجرائم ولا يخطر ببالهم أن أحدًا يرفض هذا الشرف العظيم في رأيهم، وهذه هي عقول الظلمة وأعوانهم منذ أن تغير نظام الحكم الراشدي وجاء هؤلاء المستبدين الذين يرون الناس عبيدًا لهم. ومر بنا قول المجرم مسلم بن عقبة إلى سعيد: بل تبايع على أنك عبد ليزيد بن معاوية ... وكلما ازددنا نظرًا في تاريخ هؤلاء ازددنا قناعة بأن هذه هي نظرتهم إلى شعوبهم.