الصفحة 21 من 29

إلا النسيان" [34] ."

وقضية ولاية العهد التي ابتدعت في العصر الأموي، زادها عبد الملك فجعلها لاثنين من بعده، وبالغ بعض خلفاء بني العباس فجعلوها لثلاثة من بعدهم، وحصل بسبب ذلك من الفتن الشيء العظيم، ويكفي في ذلك الفتنة بين الأمين والمأمون والحرب الأهلية التي استمرت أربع سنوات خسر فيها المسلمون الكثير، ودمرت بغداد تدميرًا شديدًا. وسعيد يعترض عليها لهذا السبب ولسبب آخر أكبر من ذلك وهو أنه لا تجوز البيعة لاثنين بل إنها لواحد فقط هو الخليفة القائم، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"وهو في صحيح مسلم فسعيد يرى أن البيعة لولاية العهد تعارض هذا الحديث لأنهما بيعتان للخليفة ولولي عهده ولا يجوز ذلك - بل إن هناك رواية في كتاب المحن لأبي العرب [35] تذكر أنه أرسل رسالة إلى عبد الملك يطلب منه أن يخلع نفسه من الخلافة لتصح بيعة من بعده وليس بالضرورة أنه ولي عهده فهو يذكر في هذه الرسالة أن هناك غيرك يصلح لها كابن عمر وغيره، ولم أذكر هذه الرواية بتفاصيلها لعدم التحقق من إسنادها. فالقضية عند سعيد بن المسيب قضية شرعية مبدئية لا يجوز التهاون فيها، ولذلك اشتد في رفضه وعرض نفسه للأذى الشديد بل لخطر القتل - وما كان أهونه على أولئك - فهو في بعض الروايات يتوقع القتل ويسميه شهادة فهو يقول:"أين تريدون أن تذهبوا بي؟ قالوا نقتلك قال: إني إذا لسعيد كما سمتني أمي" [36] ومع ذلك يصر على موقفه، ولا يستطيعون الحصول منه على أي تنازل فلا يستطيع جابر بن الأسود ولا طارق بن عمرو ولا هشام بن إسماعيل زحزحته عن موقفه خطوة. وإنك لتجد في ردوده القاسية مع علماء عصره - كأبي بكر بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن عبد القارئ وغيرهم - غضبه الشديد على هؤلاء واستياءه من موقفهم الذي يرى فيه المداهنة، فيشدد عليهم بأمثال هذه الكلمات القاسية التي لا تعبر عن حقيقتهم وواقعهم فهم علماء أجلاء ولكنه أجل منهم وأقوى منهم في الحق.

ومن اللافت للنظر في هذا الأمر أن عبد الملك - كما تذكر بعض الروايات - اعترض على ضرب سعيد وكتب إليه يسترضيه ويتبرأ من ضربه وإهانته، وأرسل إلى واليه يعاتبه في ذلك وفي بعض الروايات أنه عزله وقال له: والله لا تلي لي عملًا أبدا. وهذه الروايات أسانيدها ليست جيدة وهي تتعارض مع روايات أخرى تظهر دوره في الأمر، وأمره به، وهذا هو الذي يتفق مع تيار السياسة السائد في ذلك الوقت. وكذلك فالخليفة مسؤول عن ولاته وأعمالهم، ومحاسب عليها، إلا إذا أقاد من الظالم وأنصف منه، وماذا يقال فيمن الحجاج سيئة من سيئاته نسأل الله العفو والعافية ...

رابعًا: رفضه لمقابلتهم وصلابته في ذلك:

روى ابن سعد في الطبقات بإسناد متصل جيد عن عمران بن عبد الله الخزاعي قال:"حج عبد الملك بن مروان فلما قدم المدينة فوقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلًا يدعوه ولا يحركه، قال: فأتاه الرسول وقال: أمير المؤمنين واقف بالباب يريد أن يكلمك، فقال: ما لأمير المؤمنين إليَّ حاجة، وما لي إليه حاجة وإن حاجته إليَّ لغير مقضية قال: فرجع الرسول إليه فأخبره فقال: إرجع إليه فقل إني أريد أن أكلمك ولا تحركه قال: فرجع إليه فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال سعيد ما قاله أولًا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت