الصفحة 20 من 29

ذلك كثيرة متداخلة نختار أفضلها وأصحها أسانيد وأكثرها اختصارًا.

قال رجاء بن جميل الأيلي:"قال عبد الرحمن بن عبد القارئ لسعيد بن المسيب حين قدمت البيعة للوليد وسليمان بالمدينة بعد موت أبيهما: إني مشير عليك بخصال ثلاث، قال وما هي؟ قال: تعتزل مقامك فإنك هو وحيث يراك هشام بن إسماعيل، قال: ما كنت لأغير مقامًا قمته منذ أربعين سنة، قال: تخرج معتمرًا قال: ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس لي فيه نية، قال فما الثالثة؟ قال: تبايع، قال: أرأيت إن كان الله قد أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي؟ قال: وكان أعمى، قال رجاء: فدعاه هشام إلى البيعة فأبى، فكتب فيه إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك: ما لك ولسعيد ما كان علينا منه شيء نكرهه، فأما إذ فعلت فاضربه ثلاثين سوطًا، وألبسه تبان شعر، وأوقفه للناس لئلا يقتدي به الناس. فدعاه هشام فأبى، وقال: لا أبايع لاثنين - وفي رواية أخرى: لا أبايع لاثنين ما اختلف الليل والنهار - قال: فضربه ثلاثين سوطًا وفي رواية خمسين سوطًا وفي الرواية الأقوى: مائة سوط. قال رجاء: حدثني الإيليون الذين كانوا في الشرط بالمدينة قالوا: علمنا أنه لا يلبس التبان طائعًا، قلنا له يا أبا محمد: إنه القتل فاستر عورتك قال: فلبسه فلما ضرب قلنا له إنا خدعناك قال: يا معجلة أهل أيلة لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته" [31] .

وفي رواية أخرى أن الذي دخل عليه هم سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله بن عمر: فلم يقبل منهم ما عرضوه عليه، وهو يشبه ما عرضه عليه عبد الرحمن بن عبد القارئ، فلعلهما حادثتان منفصلتان لنفس القضية، وكذلك دخل عليه وهو في سجنه أبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة بن عبد الرحمن فقالا له:"اتق الله فإنا نخاف على دمك فقال: يا إخوتي أتراني ألعب بديني كما لعبتما بدينكما" [32] .

وفي رواية أخرى"أن أبا بكر بن عبد الرحمن دخل على سعيد في السجن فجعل يكلم سعيدًا ويقول: إنك خرقت به - أي استهنت بالوالي - فقال: يا أبا بكر اتق الله وآثره على ما سواه، فجعل أبو بكر يردد: إنك خرقت به ولم ترفق، فجعل سعيد يقول: إنك والله أعمى البصر أعمى القلب، قال: فخرج أبو بكر من عنده وأرسل إليه هشام بن إسماعيل فقال: هل لان سعيد بن المسيب منذ ضربناه؟ فقال أبو بكر: والله ما كان أشد لسانًا منه منذ فعلت به ما فعلت فاكفف عن الرجل [33] ."

وقد حصل له قريب من ذلك من والي المدينة طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفان، وكان واليًا عليها إلى سنة 74 يقول الليث:"دخل علي بن الحسين على طارق بن عمرو فقال طارق: لأرسلن إلى سعيد بن المسيب، فإما أن يبايع، وإما أن أضرب عنقه قال: فانصرف - علي بن الحسين - ومر على أبي بكر بن عبد الرحمن فأخبره فذهبا إلى سعيد فقالا له: تبايع؟ قال: لا ألعب بديني كما لعبتما بدينكما قالا له: فاخرج إلى البادية لعله ينساك، فقال: لا، فقالا: فتجلس في بيتك فقال: أسمع المنادي يدعو إلى الفلاح فما أجيبه قالا: فتحول عن موضعك فإنه مقابل له فإذا خرج رآك قال: أ أتحول إلى مكان غيره؟ هذا موضع نحن نجلس فيه من كذا وكذا، فلما خرج طارق - أي بعد عزله - تبعه عمرو بن عثمان بن عفان فقال له: جزاك الله خيرًا فيما فعلت وخاصة في شيخنا سعيد فقال: والله ما ذكرته وما انفلت مني"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت