قال: فكيف تركتهم؟ قال: بخير قال: تركتهم يجيعون الناس ويشبعون الكلاب؟ قال: فاشرأب الرسول فقمت إليه فلم أزل أرجيه أو أزجيه حتى انطلق ثم قلت لسعيد: يغفر الله لك تشيط بدمك بالكلمة هكذا تلقيها، قال: اسكت يا أحيمق، فوا الله لا يسلمني الله ما أخذت بحقوقه" [26] . وقال الإمام الذهبي رحمه الله"كان عند سعيد بن المسيب أمر عظيم من بني أمية وسوء سيرتهم وكان لا يقبل عطاءهم" [27] ."
وكل ما مضى يؤكد مواقف علماء سلفنا رحمهم الله تعالى من الحكام حتى لو كانوا من الحكام الشرعيين الذين لم يرتكبوا مكفرًا يخرجهم من الملة، وهم بهذه الحال طاعتهم واجبة، ولكن علماؤنا فرقوا بين الطاعة وبين النقد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم الرضا بالواقع السيئ، فهل يفعل ذلك بقية العلماء وطلاب العلم في هذا العصر، فيؤدون دورهم الحقيقي في الإصلاح ورفض الواقع بالأساليب المناسبة؟!.
ثالثًا: رفضه لأوامرهم إذا كانت تخالف الحق وما ترتب على ذلك من الأذى الشديد له:
لم يكتف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى بالنقد العلني لحكام زمانه والدعاء عليهم وإظهار عدم الرضا عنهم، بل تعدى ذلك إلى مواقف عملية اصطدم فيها بهؤلاء الحكام، وعرض نفسه لأذاهم، ولم يخف في الحق لومة لائم، وقام بواجبه واجب العالم الكبير الجليل الذي لا يساير الواقع بل يقف في وجهه.
ولنبدأ الحديث عن هذا الأمر برواية عمران بن عبد الله الخز اعي وكان أحد جلسائه عن نظرة سعيد إلى نفسه في سبيل الحق، يقول عمران كما ورد في الحلية بإسناد جيد:"إن نفس سعيد كانت أصون عليه في ذات الله من نفس ذباب" [28] . وكان أول صدام له مع جابر بن الأسود الزهري والي عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على المدينة، فإنه دعا الناس إلى بيعة ابن الزبير فقال سعيد بن المسيب: لا، حتى يجتمع الناس فنضربه ستين سوطًا، فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دعه [29] .
وسبق ذلك صدامه مع المجرم مسلم بن عقبة المري الذي قاد جيش يزيد بن معاوية إلى المدينة، وتولى كبر مذبحة الحرة فقد روى إبراهيم بن سعد الزهري قال:"لما بعث يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري على المدينة ليالي الحرة أمره أن يسمع من سعيد بن العاص ولا يخالفه، فأتى سعيد بن المسيب وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: بايع، فقال له سعيد بن المسيب: هلم المصحف أبايعك على ما فيه، فقال له: بايع على أنك عبد ليزيد بن معاوية فقال: بل أبايعك على ما في المصحف وأني حر مسلم، قال مسلم بن عقبة: اضربوا عنقه فقال سعيد بن العاص ما تصنع؟ فإني رأيته صريعًا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كنت لأكلمه أبدًا" [30] . وهكذا كان ظلمة ذلك الوقت يرون الناس عبيدًا لهم ولأسيادهم، فلم ينج سعيدًا من هذا المجرم إلا بادعاء أنه مصاب بالجنون أو الصرع.
ولعل أبرز مواقفه مع ولاة عصره موقفه من بيعة ولي العهد في عهد عبد الملك ابن مروان فقد تشدد فيها وتحمل فيها الضرب والسجن والتهديد بالقتل، وأصر على رأيه، ولم يتراجع عنه، والروايات في