هشام بن إسماعيل - والي المدينة - يريد أن يذهب مالي فأحتاج إلى ما في أيديهم، وأنا لا أدري ما أحبس - يريد الوقت - فانظري إلى القوت الذي كنت آكل في بيتي فابعثي إلي به ..." [20] وهذه الرواية وإن كان فيها محمد بن عمر الواقدي إلا أنه يؤيدها رواية أخرى في المعرفة والتاريخ عن الإمام مالك قال:"بلغني أن ابن المسيب لما جلس - أي في السجن - بعث إليه أهله بطعام صنعوه له فلما أتي به قال سعيد: لا أذوقه، انظروا الأقراص الأربعة التي كنت آكلهم بالزيت في البيت فابعثوا بهن إلي ..." [21] ."
ولعل من المفيد التذكير هنا أن الوظائف الحكومية أصبحت غلًا في أعناق الدعاة إلى الله جعلتهم لا يبحثون عن وسائل أخرى لطلب الرزق تحررهم من هذه العبودية للظلمة، أما آن لهم أن يدركوا ذلك ويعتمدون على أنفسهم بعد الله في طلب أرزاقهم، وسيبارك لهم في ذلك إن شاء الله.
ثانيًا: دعاؤه عليهم وإظهار عدم الرضا بواقعهم:
اشتهر عن سعيد بن المسيب قوله"لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة" [22] وقد كرره سفيان الثوري رحمه الله، وكان كثير الاعتناء بأخبار سعيد، وهذا يدلك على موقف علماء السلف من هؤلاء الظلمة والإنكار عليهم بالقلب والقول، وعدم الرضا بمسلكهم فما بالك بمن يتزلف إليهم ويمدحهم بما ليس فيهم، ويجعل همه الأول في هذه الحياة إظهار ذلك والدندنة حوله؟ أتراه موافقًا لعلماء السلف الذين يدعي الانتساب إليهم؟.
وكان سعيد يستنكر الدعاء لهم على المنابر ويعرض عن ذلك، يقول ضمام - أحد الرواة -"فبلغني أن هشام بن إسماعيل - والي المدينة - كان إذا خطب الناس يوم الجمعة يحول إليه سعيد وجهه ما دام يذكر الله، حتى إذا رفع يمدح عبد الملك ويقول فيه ما يقول تحول عنه سعيد بوجهه، فلما فطن له هشام أمر حرسيًا أن يحصب وجهه إذا تحول عنه ففعل ذلك به فقال سعيد لهشام - وأشار إليه بيده - هي ثالث فما مرّ به إلا ثالثة أشهر حتى عزل" [23] وضمام هو ابن إسماعيل الحواري اختلف فيه والأكثرون على توثيقه، بل كان يدعو عليهم في صلاته دائمًا، قال علي بن زيد بن جدعان: قلت لسعيد بن المسيب: يزعم قومك أنه ما منعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو الله على بني مروان، قال:"ما فعلتُ وما أصلي صلاة إلا دعوت الله عليهم، وإني قد حججت واعتمرت بضعًا وعشرين سنة وإن كتبت علي حجة واحدة وعمرة وإني أرى أناسًا من قومك يستدينون فيحجون ويعتمرون ثم يموتون ولا يقضى عنهم ولجمعة أحب إلي من حج أو عمرة تطوعًا" [24] .
وروى الإمام مالك"أن سعيد بن المسيب غضب على الإمام الزهري وقال: ما حملك على أن حدثت بني مروان حديثي؟ فما زال غضبان عليه حتى أرضاه بعد" [25] وكان الإمام الزهري مشهورًا بالاتصال ببني أمية، فلم يرض ذلك سعيدًا ولا أرضاه أن يروي حديثه في مجالسهم، وغاضبه زمانًا حتى استرضاه. ويروي يوسف بن يعقوب الماجشون وهو ثقة عن المطلب بن السائب قال:"كنت جالسًا مع سعيد بن المسيب بالسوق، فمر بريد لبني مروان فقال له سعيد: من رسل بني مروان أنت؟ قال: نعم."