فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 240

جوابٌ آخر عن هذا التساؤل في معنى الحديث:

ويُمْكن أن يقال: الجواب هو أن هذا الترتيب الوارد في الحديث غير مرادٍ، على أيِّ حالٍ؛ وقد ورَد في اللغة العربية، وفي استعمالات الشرع، كذلك، ومِن ذلك استعمال لفظة"ثمّ"، في غير الترتيب، مع أنها موضوعةٌ في أصل معناها في اللغة للترتيب.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في فقه الأحاديث الواردة في المفاضلة بين الأعمال -بعد أن ذكر عددًا من الآراء-:""فإن قيل: فقد جاء في بعض هذه الروايات أفضلها كذا، ثم كذا. بحرف"ثم"، وهي موضوعة للترتيب. فالجواب: أن"ثم"هنا للترتيب في الذِّكر، كما قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ"12"فَكُّ رَقَبَةٍ"13"أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ"14"يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ"15"أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ"16"ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ"17"} "1". ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا ... } ، إلى قوله {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} "2"، وقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ

(1) 12-17: البلد: 90.

(2) 151-154: الأنعام: 6. ونصُّ الآيات كاملة هو: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت