أما عن المسلم المعاصر فذكر المؤلف أن هذا المعنى للعبادة قد يبدو غريبًا في حسِّه لأنه أصبح ينظر «إلى الشعائر التعبدية على أنها هي كل العبادة المطلوبة من المسلم، وأنه إذا أداها فقد أدَّى كل ما عليه من العبادة، ولم يعد لأحد أن يطالبه بالمزيد» .
ثم أكد على أن «مرجعنا في تحديد المفاهيم الإسلامية ينبغي أن يكون هو الكتاب والسنة، والصورة التطبيقية الصحيحة للكتاب والسنة كما مارسها الجيل الأول -رضوان الله عليهم- الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون قاطبة» .
ثم ذكر المؤلف من الكتاب والسنة الكثير من الأدلة على «التكاليف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية والاعتقادية والأخلاقية» التي فرضها الله على الناس.
ثم تساءل: «ما موضع ذلك كله من العبادة التي بيَّن الله -سبحانه وتعالى- أنها هي وحدها الغاية من خلق الجن والإنس؟.
هل تقع تلك التكاليف كلها في داخل العبادة أم في خارجها؟.
وإذا كانت في خارجها فكيف يستقيم المعنى في الآية الكريمة التي تحصر التكليف كله في العبادة وحدها، ولا شيء سواها؟».
فأجاب: «لا بدَّ إذن -بداهةً- ألا تنحصر العبادة في الشعائر التعبدية وحدها كما ظنَّت الأجيال المتأخرة من المسلمين، وأن يكون معنى العبادة هو المعنى الشامل الواسع الذي تحمله الآيتان الكريمتان:
{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ».
ثم تساءل أيضًا عن الصورة التي: «ينبغي أن يعبد المسلم ربه ليحقق غاية وجوده التي خلقه الله من أجلها، وحصر فيها غاية وجوده؟» .
فأجاب: «يعبده بادئ ذي بدء بتوحيده جلَّ وعلا. أي بالإقرار بأنه لا إله إلا هو -سبحانه- المتفرد بالربوبية والألوهية، المتفرد في أسمائه وصفاته وأفعاله» .