ثم قال: «وهذه العبادة الأولى -كما أسلفنا في الفصل السابق- لها مقتضياتها التي لا تتم إلا بها، وليست مجرد كلمة تنطق باللسان وينتهي الأمر و"تسدد الخانة"، كما زعم الفكر الإرجائي للناس بغير سند من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ... [1]
ثم تأتي الشعائر التعبدية في موضعها بعد الإقرار بلا إله إلا الله، الذي يعني: ... الإقرار بكل ما جاء من عند الله والالتزام به».
وعن أهمية هذه الشعائر التعبدية قال: «وقد احتفى الإسلام حفاوةً ظاهرةً بالشعائر التعبدية لحكمة ظاهرة، فهي التي تربط القلب ربطًا دائمًا ومتجددًا بالله، وهي ... محطات التزود التي يتزود فيها الإنسان بالزاد الذي يعينه على بقية الطريق» .
وذكر المؤلف -حفظه الله- أن «الأجيال المتأخرة وقعت بشأن هذا التركيز في مجموعة من أخطاء التصور وأخطاء السلوك.
وكان الخطأ الأول -والأخطر- هو حصر العبادة المطلوبة كلها في الشعائر التعبدية.
وقد ترتب على هذا التصور الخاطئ إخراج لا إله إلا الله بكل مقتضياتها الاعتقادية والسلوكية من دائرة العبادة، فأصبحت العبادة تبدأ في -حسِّ الناس- بالصلاة، ولا تبدأ بلا إله إلا الله».
ثم تحدث المؤلف عن خطورة هذا الأمر في حياة المسلم المعاصر، وأكد على أنه «حين يوجد إدراك صحيح للعبادة، وأنها تبدأ بالإقرار بالعبودية لله وحده دون شريك، قبل الصلاة والصيام والزكاة والحج، لا يمكن أن توجد الظاهرة القائمة اليوم في حياة"المسلم المعاصر"وهي وجود ملايين من البشر يعتقدون أن الإنسان إذا أدَّى الشعائر التعبدية فهو مؤمن كامل الإيمان، ولو تحاكم راضيًا إلى شريعة غير شريعة الله، وأن قضية التحاكم منفصلة تمامًا عن العبادة، كما هي منفصلة تمامًا عن الإيمان» .
وأوضح أن «من بين ما خرج من مفهوم العبادة حين انحصرت في الشعائر التعبدية"العمل"بجميع أنواعه، بدءًا بالعمل السياسي المتمثل في رقابة الأمة على الحاكم، وتقديم النصح له، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ليستقيم على أمر الله وشريعته، ويطبق العدل الرباني كما أمره الله، فيتمتع المجتمع بنعمة الإسلام التي منَّ الله بها على عباده» .
وذكر العوامل التي أدَّت إلى هذا الانحصار فقال: «الاستبداد السياسي الذي بدأه الأمويون في حياة الأمة الإسلامية منذ وقت مبكر، مضافًا إليه التفلُّت التدريجي من التكاليف، والصوفية التي أنشأتها ظروف
(1) اعتمدت المرجئة بشتى أصنافها في تأصيل ضلالها في الإيمان على أحاديث نبوية مجملة غير مفصلة، ومختصرة غير مقتصاه، وهذا ديدن أهل البدع والضلال.