معينة في حياة الأمة، والفكر الإرجائي الذي حصر الإيمان -الذي يدخل به الناس الجنة- في التصديق والإقرار».
وبين خطورة خروج العمل السياسي من دائرة العبادة فقال: «حين خرج العمل السياسي من دائرة العبادة تخلخلت أول عروة من عرى الإسلام -عروة الحكم- وإن كانت لم تنقض تمامًا في مبدأ الأمر، فقد بقي الناس في المجتمع الإسلامي يتحاكمون إلى شريعة الله، لا يرون غيرها شريعة واجبة الطاعة ولا واجبة التنفيذ، ولكن صحب تحكيم شريعة الله جورٌ من الحكَّام ومظالم تجعل التطبيق غير كامل كما أوجبه الله ونفذه السلف الصالح، ومرَّت قرون من هذا التحكيم المصحوب بالجور والظلم حتى نقضت تلك العروة تمامًا في العصر الحديث حين نحِّيت شريعة الله عن الحكم أصلًا، واستبدلت بها شرائع البشر، فكانت أول عرى الإسلام نقضًا كما قال الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم:"لتنقضن عرى هذا الدين عروة عروة، فأولها نقضًا الحكم، وآخرها نقضًا الصلاة"» . [1]
ثم بيَّن المؤلف أن الانحسار في مفهوم العقيدة ومفهوم العبادة لم يقف عند هذا الحد وإنما سرى الانحسار «تدريجيًّا إلى بقية أنواع العمل، فأُخرجت تدريجيًّا من دائرة الإيمان ودائرة العبادة» .
ثم أشار إلى حال الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين كانوا «يقضون الحياة كلها في عبادة، عبادة تشمل نشاط الروح كله، ونشاط العقل كله، ونشاط الجسد كله» .
واستعرض بعض النماذج من سلوك هؤلاء لكي «ندرك هذه الحقيقة العميقة الدقيقة، وهي شمول العبادة في حسّهم لكل عمل وكل فكر وكل شعور، وكل لحظة من لحظات العمر، وعدم اقتصارها على لحظات معينة هي التي تؤدى فيها الشعائر التعبدية» . [2]
ثم ذكر أن الأخلاق هي الأخرى قد خرجت من دائرة العبادة كما خرج العمل.
وعقد المؤلف مقارنة بين أخلاق الإسلام الحقيقية الأصيلة النابعة من حسّ المسلم بأنها جزء من العبادة المفروضة عليه، وبين تلك الأخلاق النفعية التي انتشرت في الغرب، والتي كان «هدفها تحقيق المنفعة في الحياة الدنيا فحسب» .
وأوضح أن هذه الأخلاق هي التي ساهمت في دخول الملايين الإسلام وانتشار الفتوحات الإسلامية من «الهند شرقًا إلى المحيط غربًا» .
(1) أخرجه أحمد.
(2) ذكر -حفظه الله- هنا نماذج من سلوك هذا الجيل الفريد، لولا خوف الإطالة والخروج عن مقصود هذه القراءة لأوردتها، فارجع إليها إن شئت.