الصفحة 57 من 76

ثم بيَّن أن الفساد الذي أصاب مفهوم العبادة وحصرها في الشعائر «قد أدَّى -بالطبيعة- إلى مزيدٍ من الانحسار على درجات:

فأما الدرجة الأولى فهي انحسار الشعائر ذاتها إلى أعمال مقصودة لذاتها، بغير مقتضيات لها، بحيث يصبح أداؤها في ذاتها هو كل"العبادة"المطلوبة من الإنسان».

وذكر: «أن الشعائر التعبدية ذات مقتضيات، وأنها لا تنتهي بذات نفسها، أي بمجرد أدائها، إنما تصحبها وتتبعها مقتضيات، هي التي تعطيها معناها الحقيقي، ومهمتها الحقيقية في حياة الأمة المسلمة» .

وضرب على ذلك أمثلة فقال: «لا إله إلا الله تبدأ بنطقها، ولكن نطقها وحده لا يحقِّق التوحيد، الذي هو حقيقة الإسلام، إلا أن يلتزم الإنسان التزامًا سلوكيًّا واقعيًّا بما لا بدَّ من الالتزام به، وهو عدم الشرك في الاعتقاد، وتقديم الشعائر التعبدية لله وحده بلا شريك، وتحكيم شريعة الله في كل أمر من الأمور.

والصلاة تبدأ بأدائها -على الصورة التي بيَّنها الله ورسوله- وتعطي مظهرية الإسلام بالأداء، ولكنها لا تُقبل عند الله حتى تؤدي مقتضاها من الانتهاء عن الفحشاء والمنكر».

وقال: «كذلك بقيَّة العبادات» .

ثم تحدث عن زيادة الانحسار حتى أصبح «المطلوب هو أداء الشعيرة بأي صورة كانت، ولو كان أداءً آليًّا بغير روح، أو أداءً تقليديًّا يحرِّكه الحرص على التقاليد أكثر مما يحرّكه الدافع إلى عبادة الله» .

ثم قرر أن «تلك هي الصورة التي انتهت إليها العبادة في الجيل الذي شهد الانهيار» .

ثم ختم المؤلف هذا الفصل ببيان الفرق الشاسع: «بين مفهوم العبادة كما نزل من عند الله، وعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعاه الجيل الأول ومارسه، وبين المفهوم الشائه الهزيل الضامر الذي فهمته الأجيال المتأخرة، مارسته أم لم تمارسه» .

وفي ذلك يقول: «المفهوم الأول هو الذي أخرج"خير أمة أخرجت للناس". والمفهوم الأخير هو الذي أخرج"غثاء السيل"» .

ثم وصف العلاج بقوله: «ولا بدَّ من تصحيح المفاهيم {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} ... ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ...

ولن يكون هناك سحر يمحو الضعف والتخلف في لحظات ويبدلهما تقدُّمًا وقوة، إنما هناك سنن ربانية تقوم عليها حياة الناس في الأرض. وحين نعمل حسب السنن الصحيحة يأتينا الحل الصحيح.

وليس من السنن الصحيحة أن نفسد ديننا ثم نقول: يا رب، يا رب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت