الصفحة 10 من 15

لقد علمت -أيها القارئ- مما تقدم في هذه الأوراق، أن الهيئة الكاملة لثوب الرجل هي تنصيف الساق، وهذا الذي دل عليه النص والأثر، وقال به أهل الفقه والنظر ..

ولقد جاءت بعض الروايات، التي قد يُفهم منها أن تقصير الثياب فوق نصف الساق أكمل من التنصيف، كالحديث الذي أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة: (بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك، حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني حمش الساقين، فقال:(يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل) وفي رواية عند الطبراني وغيره: عن عمرو بن زرارة وفيه: وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال: (يا عمرو هذا موضع الإزار) ، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: (يا عمرو هذا موضع الإزار) [قال الحافظ ابن حجر: الحديث ورجاله ثقات، انظر: فتح الباري 10/ 325] .

وكالذي رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن خالد أبي أمية:"أن عليًا اتزر فلحق إزاره بركبتيه".اهـ

إلا أن بعض علمائنا قد نص على كراهة ذلك لمناطات عديدة؛ قال ابن قاسم رحمه الله في حاشيته:"ولأن ما فوقه -أي: فوق نصف الساق- مجبلة لانكشاف العورة غالبا، وإشهار لنفسه، ويتأذى الساقان بحر أو برد، فينبغي كونه من نصفه إلى الكعب، لبعده عن النجاسة، والزهو والإعجاب".اهـ

وقال ابن مفلح الحنبلي رحمه الله:"ويكره فوق نصف ساقيه، نُصّ عليه، وقال أيضًا: يشهر نفسه".اهـ

وقال البهوتي رحمه الله:"ويكره كون ثيابه فوق نصف ساقه".اهـ

وصاحب الحق لا يرض لنفسه إلا الأكمل والأحسن، كما قال صاحب العظمة والمن: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 18] .

وتطبيق ذلك يكون في كافة ما يلبسه الرجل، سواء كان ذلك الملبوس إزارًا أو قميصًا أو بنطالًا .. وليس كما ذهب إليه البعض من حصر وقصر ذلك على الإزار فحسب.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"أخرج أبو داود من رواية يزيد بن أبي سمية عن ابن عمر قال: (ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص) ."

وقال الطبري:"إنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار".اهـ

قال ابن بطال:"هذا قياس صحيح لو لم يأتِ النص بالثوب، فإنه يشمل جميع ذلك".اهـ [فتح الباري 10/ 323] .

وقال الإمام الذهبي تعليقًا على حديث: (إزرة المؤمن إلى نصف ساقيه .. ) :"وهذا عام في السراويل والثوب والجبة والقباء والفرجية وغيرها من اللباس، فنسأل الله العافية".اهـ [كتاب الكبائر ص 216] .

وقد مر معنا قول الإمام النووي رحمه الله:"وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإزار فنصف الساق كما في حديث ابن عمر وفي حديث أبي سعيد: (إزارة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك فهو في النار) ، فالمستحب نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين".اهـ [شرح صحيح مسلم 14/ 88] .

وكذا ما جاء في كتاب"تحفة المحتاج في شرح المنهاج"10/ 106:"وَالْأَفْضَلُ فِي الْقَمِيصِ كَوْنُهُ مِنْ قُطْنٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ سَائِرُ أَنْوَاعِ اللِّبَاسِ كَالْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ وَالرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ وَغَيْرِهَا، وَيَلِيهِ الصُّوفُ لِحَدِيثٍ فِي الْأَوَّلِ وَحَدِيثَيْنِ فِي الثَّانِي، لَكِنَّ ذَاكَ أَقْوَى مِنْ هَذَيْنِ، وَكَوْنُهُ قَصِيرًا بِأَنْ لَا يَتَجَاوَزَ الْكَعْبَ، وَكَوْنُهُ إلَى نِصْفِ السَّاقِ أَفْضَلُ، وَتَقْصِيرُ الْكُمَّيْنِ بِأَنْ يَكُونَ إلَى الرُّسْغِ لِلِاتِّبَاعِ".اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت