إنك أخي القارئ كثيرًا ما ترى ذلك الشاب المتدين الذي قصر ثوبه لكن باستحياء، فبالكاد جاوز به الكعبين، ويحسب أنه بذلك قد فعل المستحب، واقتدى بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب.
فهذا المحور هو مناصحة له، كما كان السلف يتناصحون فيما بينهم في النوافل والمستحبات، ومن ذلك ما جاء في صلب موضوع هذه الورقات:
عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في ذلك، فقال: إني رجل حَمْش الساقين [1] . [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (5/ 166) ، وإسناده جيد كما سيأتي في كلام الحافظ ابن حجر] .
فنجد هنا أن السلف قد أنكروا على ابن مسعود رضي الله عنه إسباله الإزار إلى ما فوق الكعبين وتحت المتعارف عليه بينهم، وهو نصف الساق. [2]
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال: إني حَمْش الساقين: فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يُظن به أنه جاوز به الكعبين، والتعليل يرشد إليه".اهـ [فتح الباري 10/ 264] .
فالاستحباب في هذه المسألة؛ هو كما قرره أئمة الإسلام، والفحول العظام:
قال الإمام الشافعي رحمه الله:"والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين".اهـ [فتح الباري 10/ 324] .
وقال الإمام النووي رحمه الله:"وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإزار فنصف الساق كما في حديث ابن عمر وفي حديث أبي سعيد: (إزارة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك فهو في النار) ، فالمستحب نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين".اهـ [شرح صحيح مسلم 14/ 88] .
وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله:"ولا يجوز أن يكون ثوب الرجل ولا سراويله ولا مئزره يتجاوز الكعبين، وحسن له أن يجعله إلى أنصاف ساقيه".اهـ
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"والحاصل أن للرجال حالين: حال استحباب، وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين".اهـ [فتح الباري10/ 320] .
وجاء في المنتقى شرح الموطأ:"أَنَّ لِهَذَا اللِّبَاسِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَالْمُبَاحُ أَنْ يَكُونَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَالْمَحْظُورُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ".اهـ [4/ 311] .
وجاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود:" (إِلَى نِصْف السَّاق) : أَيْ مُنْتَهِيَة إِلَيْهِ يَعْنِي الْحَالَة وَالْهَيْئَة الَّتِي يُرْتَضَى مِنْهَا الْمُؤْمِن فِي الِاتِّزَار هِيَ أَنْ يَكُون عَلَى هَذِهِ الصِّفَة".اهـ [9/ 125] .
(1) حَمْش الساقين: دقيق الساقين.
(2) هذا هو ظننا بالصحابة رضوان الله عليهم، لا أن نفهم أنه رضي الله عنه قد أسبل إزاره إلى ما تحت الكعبين!