الصفحة 11 من 12

رأيت بعض أصحابنا وأحبابنا يطيل شعره ويحسره دون غطاء، وهذا على خلاف هدي سيد الأنبياء -صلى الله عليه وآله وسلم-. فإنه لم يثبت -فيما أعلم- أنه صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى الناس -في غير الإحرام- [1] وهو حاسر الرأس، مع توفر الدواعي لنقله لو فعله، ومن زعم خلاف ذلك فعليه الدليل! [انظر الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص110] . بل جاء حديث ضعيف في ذلك؛ وهو حديث ابن عباس:"أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه"تفرد به ابن عساكر، وفي سنده: العرزمي. قال عنه الحافظ ابن حجر في"التقريب":"محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي ..: متروك".اهـ

ثم إنه لو صح هذا الحديث فإنه من باب تقديم أولى المصلحتين عند تزاحمهما، لأن السترة أولى من تغطية رأس الرجل. بل لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحسر عن رأسه، اللهم إلا أن يكون في المطر؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال:"أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطر قال فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: (لأنه حديث عهد بربه تعالى) ".

وكذلك كان هدي السلف رضي الله عنهم؛ لم يكونوا يحسرون عن رؤوسهم في غير الإحرام إلا أن يكون ذلك للمطر ونحوه؛ فقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عبد الله بن نجي قال:"كان علي رضي الله عنه إذا مطرت السماء خرج، فإذا أصاب صلعته الماء مسح رأسه ووجهه وجسده، وقال: (بركة نزلت من السماء، لم تمسها يد ولا سقاء) ".اهـ. وروى أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعثمان رضي الله عنه، وغيرهم .. [انظر فتح الباري لابن رجب الحنبلي 6/ 315] .

قال شيخ مشايخنا الألباني -غفر الله له-:"وليس من الهيئة الحسنة في عرف السلف اعتياد حسر الرأس والسير كذلك في الطرقات، والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية، تسربت إلى كثير من البلاد الإسلامية حينما دخلها الكفار، وجلبوا إليها عاداتهم الفاسدة، فقلدهم المسلمون فيها، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيتهم الإسلامية".اهـ [تمام المنة ص165] .

الوقفة الثالثة: الشيعة الإمامية وإطالة شعر الرأس للرجال:

حدثني بعض شباب الدعوة المباركة أنه واجه بعض الانتقادات على توفير شعره من قبل بعض الشيعة الإمامية، فذكرت له بعض الأحاديث والآثار في ذلك، بل زدته بأن ذلك مروي حتى عن الحسن والحسين رضي الله عنهما. ومن باب الإقناع في الاحتجاج على القوم يطيب لي أن أذيل هذه الرسالة المختصرة ببعض ما ورد في كتبهم حول توفير الشعر للرجال:

فَعَنِ ابْنِ سِنَانٍ أنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السَّلام:"مَا تَقُولُ فِي إِطَالَةِ الشَّعْرِ؟ فَقَالَ:"كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله مُشْعِرِينَ -يَعْنِي الطَّمَّ-". [الكافي 6/ 485، وانظر: منتقى الجمان 1/ 118] . قال في الوافي:" (مشعرين) من أشعر أو شعر بمعنى نبت عليه الشعر، يعني كانوا تاركين له".اهـ"

وفي النهاية:"الأشعر الذي لم يحلق رأسه ولم يُرَجِّله، ورجلٌ أشعر، أي كثير الشعر، وقيل طويله، وطَمُّ الشعر جَزُّه، وأطَمَّ شَعرهُ حان له أن يُجَزَّ، وكأن المراد أنهم كانوا يطيلون، وكان دأبهم الجز دون الحلق".اهـ. ورُوِيَ في الكافي"عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السَّلام أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: مَنِ اتَّخَذَ شَعْرًا فَلْيُحْسِنْ وِلَايَتَهُ، أَوْ لِيَجُزَّهُ". وَرُوِيَ في الوسائل:"عَنْ النبي صلى الله عليه وآله أنَّهُ قَالَ: الشَّعْرُ الْحَسَنُ مِنْ كِسْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَكْرِمُوهُ". وروي في الوسائل -أيضًا-"عن جعفر الصادق عليه السلام من اتخذ شعرا فلم يفرقه فرقه الله".اهـ. ومن كتاب (أنس العالم) للصفواني قال:"روي أن حلق الرأس مثلة بالشاب ..".اهـ [مستطرفات السرائر 7/ 150] .

(1) أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف .. ) وفي رواية: (لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس .. ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت