إنني إخال أن الأصل في حال السلف الصالح هو اتخاذ الشعر وتوفيره، لا الإنكار على فاعله وتنفيره! لذا فإن العجز حليف كل من أراد إحصاء من اتخذ الشعر ووفره من السلف، ولا يخالفني في ذلك من طالع التراجم وعلمها وعرف، أو أطال النظر في تواريخ العلماء وعليها عكف. ولقد اقتصرت في هذه الأوراق، على ذكر بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والرفاق.
جاء في صفوة الصفوة 1/ 295 في وصف عثمان بن عفان رضي الله عنه:"كثير شعر الرأس .. جُمته أسفل من أذنيه".اهـ
قال الإمام أحمد رحمه الله:"أبو عبيدة كانت له عقيصتان، وعثمان كانت له عقيصتان".اهـ [المغني 1/ 111] . جاء في مختار الصحاح:"العقيصة: الضفيرة، يقال: لفلان عقيصتان، وعقص الشعر: ضفره ولَيُّهُ على الرأس".اهـ [1] . وأخرج الخلال في"كتاب الترجل" [2] : عن الحسن بن محمد بن محمد بن الحارث السمسار أن أبا عبد الله ذكر من كان له شعر من الصحابة، فقال: أبو عبيدة عقيصتين والحسن والحسين وابن مسعود شعر إلى أذنيه وعثمان عقيصتين.
وأخرج -أيضًا- عن محمد بن موسى أن أبا عبد الله سئل عن تطويل الشعر فقال:"تدبرت مرة، فنظرت فإذا هو عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أبو عبيدة كان إلى أنصاف أذنيه وعمار بن ياسر، وذكر ابن مسعود". وجاء في سير أعلام النبلاء 2/ 79:"كان العباس -أي: ابن أبي طالب رضي الله عنه- شريفًا، مهيبًا، عاقلًا، جميلًا، أبيضَ، بضًا، له ضفيرتان، معتدل القامة".اهـ
وقال عبد الرحمن بن لُبينة:"رأيتُ أبا هريرة رجلًا آدم، بعيد المنكبين، أفرق الثَّنيتين، ذا ضفيرتين".اهـ [سير أعلام النبلاء 2/ 586] . وقال أبو عبد الله بن مندة عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه:"كان رجلًا آدم، كثير الشعر، ليس بالجعد القطط ولا بالسَّبط، حسن الوجه .."اهـ [الطبقات لابن سعد 3/ 1/156، والكبير للطبراني (191) ، وانظر: سير أعلام النبلاء 1/ 24] . وعن السدي رحمه الله قال:"رأيت الحسين بن علي وعليه عمامة خز، قد خرج شعره من تحت العمامة" [أخرجه الطبراني، ورجاله ثقات] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"بت ليلة عند ميمونة بنت الحارث خالتي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندها في ليلتها، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل فقمت عن يساره، قال: فأخذ بذؤابتي، فجعلني عن يمينه" [أخرجه البخاري - باب الذوائب] . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"الذؤابة ما يتدلى من شعر الرأس ... وقد مضى شرحه في الصلاة، والغرض منه هنا قوله:"فأخذ بذؤابتي"فإن فيه تقريره صلى الله عليه وآله وسلم على اتخاذ الذؤابة".اهـ [فتح الباري 10/ 446] . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كانت لي ذُؤابة، فقالت لي أمي: لا أجُّزها، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَمُدُّهَا ويأخذ بها) [أخرجه أبو داود] . قال القاري رحمه الله:"أي يلعب بها لأنه كان ينبسط معه".اهـ [انظر: عون المعبود 11/ 149] .
وأخرج النسائي بسند صحيح -كما قال العظيم آبادي- عن زياد بن الحصين عن أبيه قال:"لما قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ادنُ مني) فدنا منه، فوضع يده على ذؤابته ثم أجرى يده، وسَمَّتَ عليه ودعا له". وجاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه -وأصله في الصحيحين- قال:"قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لمع الغلمان له ذؤابتان". وأخرج النسائي ومالك عن يحيى بن سعيد أن أبا قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"إن لي جمةً أفأرجلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم وأكرمها) فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين لما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم وأكرمها) ". [3]
وعن عبد الواحد بن أيمن قال عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما:"كانت له جُمةٌ إلى العنق، ولحيته صفراء".اهـ [سير أعلام النبلاء 3/ 370] . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله عن ابن الزبير أيضًا:"وكان خفيف اللحية ليس في وجهه من الشعر إلا قليلًا. وكانت له جمة، وكان له لحية صفراء".اهـ [البداية والنهاية 8/ 335] . قال الإمام أحمد رحمه الله:"تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم شعر، قال: عشرة لهم جمم".اهـ [المغني 1/ 111] .
(1) وقد تقدم ذكر معنى العقيصة من كلام الإمام العظيم آبادي رحمه الله.
(2) انظر: ص 13 وما بعدها ..
(3) قال الحافظ أبو العلا المباركفوري رحمه الله:"رجال إسناده كلهم رجال الصحيح".اهـ [تحفة الأحوذي 5/ 447] .