الصفحة 8 من 12

إن مخالفة أهل البدع والأهواء، مشروعة في الدين بلا مراء، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي تحت (القاعدة السابعة: مخالفة الكفار مشروعة) ، قال:"بل أهل البدع يشرع مخالفتهم".اهـ [القواعد الفقهية ص 101] . وإن مما يُعرف به الخوارج ويتصفون؛ حلقهم للشعر على خلاف ما كان عليه خيار القرون، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:"إن الخوارج سيماهم التحليق، وكان السلف يوفرون شعورهم لا يحلقونها، وكانت طريقة الخوارج حلق جميع رؤوسهم".اهـ [فتح الباري 8/ 86] .

عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"يكون في أمتي اختلاف وفرقة، يخرج منهم قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم سيماهم التحليق والتسبيت [1] ، فإذا رأيتموهم فأنيموهم" [أخرجه أحمد] . وعن أبي عثمان النهدي:"سأل رجلٌ من بني يربوع، أو من بني تميم، عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الذاريات والمرسلات والنازعات أو عن بعضهن، فقال عمر: ضَعْ عن رأسك، فإذا له وفرة فقال عمر: أما والله لو رأيتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك، ثم كتب إلى أهل البصرة أن لا تجالسوه، قال: فلو جاء ونحن مائة تفرّقنا". قال شيخ الإسلام في الصارم ص188:"رواه الأموي وغيره بإسناد صحيح".اهـ

قال شيخنا عاصم الحافي حفظه الله:"ومن اللطيف أن المعروف عنا وعن أكثر أهل دعوة التوحيد المباركة -الذين طالما رموا بمسمى الخوارج ظلما وزورا- إعفاؤهم لرؤوسهم، حتى عيب ذلك علينا وانتقد من بعض الجهال".اهـ [الثلاثينية ص561 في الهامش] . قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله:"اختلفت الرواية عن أحمد في حلق الرأس، فعنه أنه مكروه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في الخوارج:"سيماهم التحليق" [2] ، فجعله علامة لهم، وقال عمر لصبيغ: لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"لا توضع النواصي إلا في حج أو عمرة" [3] . رواه الدارقطني في الأفراد، وروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"ليس منا من حلق" [4] . رواه أحمد، وقال ابن عباس: الذي يحلق في المصر شيطان، قال أحمد: كانوا يكرهون ذلك".اهـ [المغني 1/ 112] .

وأما حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما:"أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم. ثم قال: ادعو إليّ بني أخي فجيء بنا كأنا أفرخٌ. فقال: أُدعوا إليّ الحلاق، فأمره فحلق رُؤوسنا"الذي أخرجه أبو داود والنسائي، فلبعض العلماء توجيه وجيه له؛ قال الإمام العظيم آبادي رحمه الله:"وإنما حلق رؤوسهم مع أن إبقاء الشعر أفضل إلا بعد فراغ أحد النسكين، لما رأى من اشتغال أمهم أسماء بنت عميس عن ترجيل شعورهم بما أصابها من قتل زوجها في سبيل الله، فأشفق عليهم من الوسخ والقمل، ذكره القاري".اهـ [عون المعبود 11/ 146] .

وقال الشيخ بلال الزهري:"فائدة في حلق الشعر حتى الجلد: وأحب هنا أن أنوه إلى أمرٍ قل من يعرفه، وهو حلق شعر الرأس حتى الجلد، فإن كثيرًا من طلاب العلم يحلقون شعر رؤوسهم حتى الجلد ويظنون أن هذا الفعل هو من السنة، مستندين إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"احلقه كله أو دعه كله". والصحيح أن هذا الحديث ورد في حق النهي عن قص القزع -وهو ما يؤخذ من أطراف الشعر ويترك من فوق، أو العكس- فسبب ورود الحديث يفيدنا أن رسول الله أمر بقص الشعر بالسوية، ونهى عن القزع. ثم هناك قرينة أخرى تؤيد ما ذهبنا إليه وهي إخباره معرفًا الأمة بالخوارج الذين يمرقون من الدين:"أن سيماهم التحليق". ولذا كان السلف الصالح يقولون: كنا نعرف الخارجيّ من حلقه لشعر رأسه، مستندين بوصفه لهذه الطائفة من أن علامتهم هي حلق رؤوسهم".اهـ

(1) التسبيت هو: استئصال الشعر القصير، قال الإمام ابن منظور رحمه الله:"والسَّبت: الحلق، وفي الصحاح: حلق الرأس".اهـ [لسان العرب 4/ 463] .

(2) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وأحمد.

(3) أخرجه ابن عدي في الكامل 6/ 208، وقال:"محمد بن سليمان بن مشمول، عامة ما يرويه لا يتابع عليه في إسناده ومتنه"، وذكر الهيثمي في المجمع 3/ 261 من حديث جابر وقال:"رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه: محمد بن سليمان بن مشمول وهو ضعيف بهذا الحديث وغيره".اهـ

(4) أخرجه أحمد والنسائي وذكره الألباني في صحيح الجامع (5438) ، وقد وجهه بعض العلماء أنه بمعنى: حلق في المصيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت