إن كتب الحديث زاخرة بما يدل على اتخاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم للشعر وتوفيره، أو إخباره عن بعض الأنبياء أو فعل بعض أصحابه وتقريره. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلًا آدم كأحسن ما أنت راءٍ من أُدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجَّلها، فهي تقطر ماء، متكئًا على رجلين، أو على عواتق رجلين يطوف بالبيت فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح ابن مريم .." [أخرجه البخاري] . وعن البراء بن عازب قال:"ما رأيت من ذي لِمَّة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، له شعر يضربُ منكبيه، بعيد ما بين المنكبين" [متفق عليه] . قال الإمام العظيم آبادي رحمه الله:"أي إذا تدلى شعره الشريف يبلغ منكبيه".اهـ [عون المعبود 11/ 142] .
وعن أنس رضي الله عنه قال:"كان يضرب شعر رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم منكبيه" [متفق عليه] . وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوق الوفرة ودون الجمة" [أخرجه أبو داود-باب ما جاء في الشعر] . وفي رواية عند الترمذي وابن ماجة عنها رضي الله عنها بلفظ:"كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة". قال الإمام العظيم آبادي رحمه الله:"تحمل رواية الترمذي على أن المراد بقوله (فوق .. ودون) بالنسبة إلى محل وصول الشعر أي أن شعره صلى الله عليه وآله وسلم كان أرفع في المحل من الجمة، وأنزل فيه من الوفرة، وفي رواية أبي داود بالنسبة إلى طول الشعر وقصرها، أي أطول من الوفرة وأقصر من الجمة، فلا تعارض بين الروايتين".اهـ [عون المعبود 11/ 143، وانظر: فتح الباري 6/ 661 - 662] .
وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت:"دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وله أربع غدائر، تعني عقائص"وفي رواية: (تعني ضفائر) [أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة] . قال الإمام العظيم آبادي رحمه الله:"في (القاموس) ضفر الشعر نسج بعضه على بعض، وعقص شعره ضفره وفتله. (وله أربع غدائر) جمع غديرة، وهي الشعر المضفور، وبالفارسية"كيسوئ باقته". (تعني عقائص) : جمع عقيصة بمعنى ضفيرة، وهو تفسير من بعض الرواة".اهـ [عون المعبود 11/ 145 - 146] .
قلت: ولا يُضفر الشعر ويُعقص؛ إلا إن كان طويلًا غير مقص. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وما دل عليه الحديث من كون شعره صلى الله عليه وآله وسلم كان إلى قريب منكبيه كان غالب أحواله، وكان ربما طال حتى يصير ذؤابة، ويتخذ منه عقائص وضفائر، كما أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث أم هانئ ..".اهـ [فتح الباري 10/ 372] .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضخم الشعر واللحية" [أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي] . وجاء في الصحيحين:"أن قومًا سألوا جابرًا عن الغسل، فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى شعرًا منك، وخير منك، يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم". قال العماد ابن كثير رحمه الله:"ثبت في الصحيحين عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب شعره إلى منكبيه وجاء في الصحيح عنه وعن غيره إلى أنصاف أذنيه، ولا منافاة بين الحالين فإن الشعر تارة يطول وتارة يقصر منه فكل حكى بحسب ما رأى".اهـ [البداية والنهاية 6/ 19] .
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله:"ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا طال فإلى منكبيه، وإن قصر فإلى شحمة أذنيه، وإن طوله فلا بأس نص عليه أحمد".اهـ [المغني 1/ 111] . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعرًا ولا ثوبا؛ الجبهة واليدين والركبتين والرجلين" [متفق عليه] . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"المراد أنه لا يجمع ثيابه ولا شعره ... وقيل: والحكمة من ذلك أنه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر".اهـ [فتح الباري 2/ 383] . قلت: ولا يلامس الأرض أو يباشرها إلا الشعر الطويل المسترسل، فتمعن في ذلك وكن خير متأمل!
قال الإمام الترمذي رحمه الله في:"باب ما جاء في الجمة واتخاذ الشعر"من سننه:"وفي الباب: عن عائشة، والبراء، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد، وجابر، ووائل بن حجر، وأم هانئ".اهـ [انظر: تحفة الأحوذي 5/ 444] . ولا شك أن التأسي بالأنبياء عمل محمود رشيد، وكذا إتباع الأولياء في الحق عمل طيب سديد، قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) .