الذين قضوا نحبهم ونحسبهم شهداء عند الله .. إن أوثق عرى المحبة التي تبنى أواصرها فوق أرض النار المضطرمة والدماء المتدفقة حيث تستعد النفوس للموت فتكون قريبة من فاطرها، تستشرف للقاء بارئها.
إخواني .. أشهد أنكم لم تكونوا فرسانا يمتطون الجياد في الميدان ولكن علم الله أن الفرسان يقفون أمام جراءتكم أقزامًا.
أشهد أن عزائمكم كانت لا تعرف الوهن وآمالكم لا يتطرق إليها اليأس، وهمتكم تناطح المزن، وتطاول عنان السماء، وتباري ماءها طهرًا وصفاء.
رفاق الدرب:
الذين قضوا نحبهم .. وماذا عساها تغني هذه الأسطر عما يجول في الأعماق من الخواطر، وما يعتمل الصدر من المشاعر.
إخواني .. بَلغَتناَ رسالة القافلة الزكية المهيبة الصامتة التي التحقتم بها، تلك الرسالة التي كُتِبت كلماتها منذ أربعة عشر قرنًا من فوق السبع الطباق، قال إمامكم صلى الله عليه وسلم (لما اُصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد الجنة تأكل من ثمارها فتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقبلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب؟ فقال رب العزة جل جلاله: أنا أبلغهم عنكم ... الحديث) .
لما قتلتم نلتمُ الفوز أجمعه ياليت قومي بما قد نلتمُ علموا
قد بَلَغَتنا رسالتكم وأَقَمّتم علينا حجتكم ومهدتم بأزكى ما تملكون لمن بعدكم الدرب ولا نملك إلا أن نقول:
كفى الشهادة فيما بيننا نسبًا ... إن لم تكن جمعتنا وحدة النسب
مهما يكن من هنانِ بيننا معكم على الدهر عهد غير مقتضب
قد والله مللنا من بعدكم الحياة وصار زلالها مرًا، ولذيذها غصصًا. وما هي إلا جولة من جولات الحق على الباطل حتى ينصر الله الدين ويلحقنا بكم في عليين .. إن شاء الله .. إن شاء الله ..