الصفحة 46 من 49

فالجهاد والقتال؛ هو التجارة الرابحة التي يُتاجر صاحبها فيها مع ربه سبحانه وتعالى بدون رأس مال؛ فيفوز، والتي عناها ربنا سبحانه وتعالى في قوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله؛ بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة) [رواه البخاري] .

فشبه حال الصائم القائم؛ بحال المجاهد في سبيل الله، في نيل الثواب في كل حركة وسكون، لأن المراد من الصائم القائم؛ من لا يفتر ساعة عن العبادة، فأجره مستمر، وكذلك المجاهد؛ لا يُضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب، ولهذا أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم الرجلَ الذي بقوله: (دلني على عمل يعدل الجهاد في سبيل الله؟) ، فقال: (لا تستطيعه!) ، قال: (اخبرني به!) ، قال: (لا تستطيعه!) ، ثم قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد؛ ان تصوم ولا تفطر، وتقوم فلا تفتر؟) ، قال: (لا) ، قال: (فذاك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله) .

ويُشبه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لغدوة في سبيل الله أو روحة؛ خير من الدنيا وما فيها) [رواه البخاري عن أنس ابن مالك] ، والغدوة - هي بالفتح -؛ وهي الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه، والروحة؛ هي الخروج في أي وقت كان، من زوال الشمس إلى غروبها.

فإن مَشيًا في سبيل الله غدوة أو روحة؛ أعظم وأفضل ثوابا من ثواب من لو حصلت له الدنيا كلها فأنفقها في طاعة الله تعالى.

وقال الفضل ابن زياد: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد ابن حنبل رضي الله عنه - وذكر له أمر الغزو، فجعل يبكي ويقول: (ما من أعمال البر أفضل منه) .

وقال عنه غيره: (ليس يعدل لقاء العدو شيء، ومباشرة القتال بنفسه؛ أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم، فأي عمل أفضل منه، الناس آمنون وهم خائفون، قد بذلوا له مهج أنفسهم) .

وأعلموا أيها الاخوة ...

ان الرباط في ثغور الجهاد من أعظم القربات، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت