وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع صوت أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها) [رواه البخاري]
وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خيرًا من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا أُجري عليه عمله وأُجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتان - أو الفُتان -) ، يعني؛ منكر ونكير.
وقال صاحب"المغني": (الرباط؛ الإقامة بالثغر مقويًا للمسلمين على الكفار، والثغر؛ كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم) .
وقال أحمد ابن حنبل رحمه الله: (ليس يعدل الجهاد عندي والرباط شيء، والرباط؛ دفع عن المسلمين وعن حريمهم، وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو، والرباط أصل الجهاد وفرعه) .
فشتان - أيها الاخوة - شتان ... بين من ربط نفسه في ثغر من الثغور، يُتوقع فيه نزول العدو، مجاهدًا في سبيل الله، متربصا بأعداء الله، مقويا لشوكة المجاهدين، كل حركاته وسكناته أجر، أكله وشربه ونومه ومشيه وحرساته ورصده وقتاله؛ أجر عند الله تبارك وتعالى ... شتان بينه وبين من قعد عن الجهاد، يلتمس لنفسه أقبح الأعذار.
وقد ورد في الحديث عن عبيد بن خالد السلمي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين، فقتل أحدهما، ومات الآخر بعده بجمعة أو نحوها، فصلينا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما قلتم؟) ، قلنا: (دعونا له، وقلنا؛ اللهم اغفر له والحقه بصاحبه) ، فقال صلى الله عليه وسلم: (فأين صلاته من صلاته وصومه من صومه وعمله من عمله؟! ان بينهما كما بين السماء والأرض) [رواه أبو داود في سننه، وقال الالباني رحمه الله: صحيح] .
نعم أيها الاخوة ... إن بينمها كما بين السماء والأرض، فالأول قتل في سبيل الله؛ فهو شهيد عند الله تبارك وتعالى، والثاني مات غير شهيد.
ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة) .
وقال ابن بطال في هذا الحديث: (هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة) ، قال: (وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب) .