وأما إيقاع هذه الإحكام العامة على المعينين؛
فالصحيح أن يقال: إن من فعل الكفر كفر، إلا أن يكون معذورا بعذر شرعي يمنع من إيقاع حكم الكفر عليه، كأن يكون مخطئا أو مكرها إكراها معتبرا أو جاهلا جهلا يعذر به أو متأولا تأويلا يمنع من تكفيره، وليس كل من يعتذر بعذر يكون عذره مقبولا، كأن يكون الإنسان معرضا عن طلب الحق والسؤال عنه فينتج عن إعراضه هذا جهل بالحق فلا يكون جهله حينئذ معتبرا.
إذ أن الله تعالى بعدله قد فرق بين من كان مقبلا على الحق علما وعملا قاصدا بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة، وبين من كان همه تحصيل الدنيا معرضا عن تعلم ما يجب عليه من العلم الشرعي لا يسأل أهل العلم عما يعرض له من أمور وأحوال متخبطا في الجهل عاملا على غير هدى، وفي ذلك قال الله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب} ، وقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} ، وقال تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} ، وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} .
ولا شك أن أعظم العمى وأشده؛ عمى القلب عن إدراك الحق والعمل به، قال تعالى: {إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ، ولا شك أن الله تعالى قد قضى في قرآنه المحكم؛ أنه لا يكلف نفسا إلا ما كان في وسعها وأن ما ليس في وسع الإنسان فإنه ليس مكلفا به، فمن يسر الله له السؤال عن أحكام الديانة وكان ذلك في وسعه وقدرته؛ فقد لزمه، فإن قصر فيه بعد استطاعته أو أعرض عن طلب الحق من معدنه والبحث عنه؛ فقد ظلم نفسه بهذا التقصير وكان حينئذ من المفرطين الظالمين لأنفسهم.
ولذلك قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس تجاه ما بعث به من الهدى ودين الحق إلى عدة أقسام.
وذلك فيما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، شربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم قسم الناس في هذا الحديث إلى ثلاثة أقسام، اثنان يشملهما المدح، وذكر معهما قسما مذموما شبهه بالأرض التي لا تمسك الماء فلا تنتفع به ولا ينتفع به أحد غيرها، وهي الأرض الخبيثة.
فإذا كان الذم يلحق من سمع الحق فلم يعمل به، فمن لم يعلمه لغيره ولم يعمل به أولى بالذم من الأول.
والمقصود؛ بيان أنه لا تصح التسوية بين من كان همه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والبحث عن شريعته وتعلم أحكامها والعمل بما ثبت عنده منها وإن أخطأ في بعض ذلك، وبين من لم يكن هكذا بل كان معرضا عن ذلك كله.
ولكن لا يدخل في الذم والمؤاخذة؛ كل من كان جاهلا بالحق مطلقا، وإن كان الجهل مما يعاب به الإنسان على الجملة، بل يدخل فيه من تسبب هو في ذلك بتفريط أو تقصير، وعلى الجملة فإن الله تعالى لا يكلف الإنسان إلا ما يستطيعه ويطيقه، ولا يحاسبه إلا على ما استطاع أداءه والقيام به.
ولذلك فقد ورد في الحديث أن؛ (أربعة يدلون على الله تعالى بحجتهم يوم القيامة منهم الهرم الذي أتته دعوة الرسل وهو لا يعقل شيئا، والأحمق الذي لا يميز شيئا، ورجل مات في الفترة فلم يدرك رسول عصره) [23] .
والمعنى الجامع في هؤلاء وأمثالهم؛ العجز عن إدراك الحق، إما لعدم وجوده عندهم، وإما لخلل في الآلة التي يستطيعون بها إدراك الحق من عقل وسمع وبصر وغيره.
والتمكن الذي نتكلم عليه هنا له شرطان:
الأول؛ من جهة المكلف، وهو سلامة الآلات التي يستطيع أن يصل بها إلى الخطاب ويفهمه، فإنه يشترط لفهم الخطاب الشرعي سلامة الآلة من السمع والعقل، ولذلك اتفق العلماء على أن المجنون لا تكليف عليه بالكلية وغيره مثل الأصم لا تكليف عليه فيما لا يستطيعه وفيما كان طريق العلم به هو السمع، ويشترط للتكليف بالخطاب الشرعي أيضًا القدرة على الوصول إليه بالسفر وغيره إذا لم يكن الخطاب - العلم - متيسرا بمحله وببلده، فإذا فقد السمع أو العقل أو عجز عن الوصول للخطاب الشرعي، فهو غير متمكن من العلم معذور فيما جهله وخالف فيه.
الثاني؛ من جهة العلم الشرعي نفسه، فشرط التمكن أن يكون هذا العلم متيسرا موجودا يمكن للمكلف الوصول إليه ومعرفته أو السؤال عنه، وإذا لم يتحقق له التمكن بحال فهذا ممن لم تصله الحجة الرسالية في الدنيا.
وأما المتمكن من طلب العلم فله عدة أحوال:
الحال الأول: أن يسعى في طلب العلم الواجب ويدركه، والواجب على من حاله هذا أن يتعلم ما وجب عليه عينا ثم ما يحتاجه من الفروض الكفائية ثم ما تيسر له وسهل عليه وهكذا، فإن فعل ذلك فقد حقق ما يجب عليه من العلم الشرعي.
الحال الثاني: سعى ولم يدرك الحق الذي طلبه أو لم يدرك إلا بعضه، وذلك إما لنقص العلم في مكانه أو لندرة من يعرفه أو يدله عليه مع عدم استطاعته غير ذلك، فمن سعى ولم يدرك إلا بعض الحق أو لم يدركه كله فقد أدى ما عليه من واجب في تحصيل العلم اللازم لصحة العمل.
وعلى هذا الحال يتنزل خبر زيد بن عمرو بن نفيل وغيره ممن كان قصده معرفة الحق فلم يدركه.
وقد روى البخاري قصته وفيها: (أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلى أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأني أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد فلقي عالما من النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، وأني أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم) [24] .
وقال الليث: كتب إلي هشام عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: (رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري ... الحديث) .
وقال ابن حجر رحمه الله في شرحه: (ووقع في حديث زيد ابن حارثة أي عن زيد بن عمرو: قال لي شيخ من أحبار الشام: إنك لتسألني عن دين ما أعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخا بالجزيرة، قال فقدمت عليه فقال: إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك وجميع من رأيتهم في ضلال) .
وفي رواية الطبراني من هذا الوجه: (وقد خرج في أرضك نبي، أو هو خارج، فارجع وصد قه وآمن به ... ) ، إلى أن قال رحمه الله: (زاد أبو أسامة في روايته: وكان يقول: إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم، وفي رواية ابن اسحق؛ وكان يقول: اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على الأرض براحته) [25] .
ومما يقاس عليه حكم من بحث عن الحق أيضًا؛ إسلام سلمان الفارسي، وأنه خرج في طلب الدين هاربا وأنه انتقل من عابد إلى عابد إلى أن قدم المدينة باحثا عن دين الله تعالى، وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومحصل القصة؛ أنه رضي الله عنه أسلم بعد أن تداوله جماعة بالرق وبعد أن هاجر من وطنه وغاب عنه مدة طويلة حتى منَّ الله عليه بالإسلام طوعا [26] .
ومما يُقاس عليه أيضًا ما ورد في قصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه؛ وأنه ما صبر عندما سمع بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخيه، فذهب بنفسه وسعى في لقائه وآمن به مكانه [27] .
وكذلك ما ورد في قصة إسلام عمرو ابن عبسة رضي الله عنه [28] .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن زيد بن عمرو ومن ذكرنا من الصحابة؛ ممن يدخلون الجنة، مع أن بعضهم لم يكن يعرف لله شريعة يعبده بها - كما سبق بيانه - هذا مع بيانه صلى الله عليه وسلم أن أباه وأبا الرجل الذي سأله في النار [29] ، وأن ابن جدعان وأمثاله في النار [30] ، يتبين من ذلك ميزان صحيح يقاس عليه أحوال الناس من حيث التمكن وعدمه، وحكم من لم يدرك إلا بعض الحق مع سعيه، وكذلك حكم من لم يرفع لدعوة الرسل رأسا ورضي بما عليه قومه من عبادة غير الله واتبعهم في ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان وتفصيل لما ذكرناه في أقوال أهل العلم.
والمقصود مما ذكرناه؛ بيان إنه لا يقبل ادعاء الجهل في كل الحالات وعلى الإطلاق، كما أنه لا يرد كذلك مطلقا، والواجب النظر في حال المكلف من حيث القدرة والتمكن والتقصير ووجود الحق أو ندرته أو عدم وجوده عنده، إلى غير ذلك مما يجب النظر فيه حتى يقع الحكم موافقا لما قضى الله سبحانه وبين في شرعه، ومن أطلق القول في هذه المسألة ولم يراع ما ذكرناه أخطأ لا محالة وخرج إلى إفراط أو تفريط، والله أعلم.
وقد قال ابن حزم رحمه الله: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس كلهم وإلى الجن كلهم وإلى كل من لم يولد إذا بلغ بعد الولادة، قال الله تعالى آمرا له أن يقول: {إني رسول الله إليكم جميعا} ، وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه أحد، وقال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} ، فأبطل سبحانه أنه يكون أحد سدى، والسدى؛ المهمل الذي لا يؤمر ولا ينهى، فأبطل عز وجل هذا الأمر، ولكنه معذور بجهله ومغيبه عن المعرفة فقط، وأما من بلغه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حيث ما كان من أقاصى الأرض ففرض عليه البحث عنه، فإذا بلغته نذارته ففرض عليه التصديق به واتباعه وطلب الدين اللازم له والخروج عن وطنه لذلك، وإلا فقد استحق الكفر والخلود في النار والعذاب بنص القرآن، وكل ما ذكرنا يبطل قول من قال من الخوارج إنه في حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم يلزم من في أقاصي الأرض الإيمان به ومعرفة شرائعه فإن ماتوا في تلك الحال ماتوا كفارا إلى النار، ويبطل هذا قول الله عز وجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ، وليس في وسع أحد علم الغيب ... ) .
إلى أن قال: (ومن بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه له أمرا من الحكم مجملا أو لم يبلغه نصه، ففرض عليه إجهاد نفسه في طلب ذلك الأمر، وإلا فهو عاص لله عز وجل قال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ) [31] اهـ.
وقال ابن تيمية رحمه الله: (إن الله يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ، والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه؛ كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله، كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه - كالمجنون مثلا - وهذه أوقات الفترات) [32] اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله: (فمن ترك الواجب أو فعل المحرم لا باعتقاد ولا بجهل يعذر فيه ولكن جهلا وإعراضا عن طلب العلم الواجب عليه مع تمكنه منه، أو أنه سمع إيجاب هذا وتحريم هذا ولم يلتزمه إعراضا لا كفرا بالرسالة، فهذان نوعان يقعان كثيرا من ترك طلب العلم الواجب عليه حتى ترك الواجب وفعل المحرم غير عالم بوجوبه وتحريمه، أو بلغه الخطاب في ذلك ولم يلتزم اتباعه تعصبا لمذهب أو اتباعا لهواه، فإن هذا ترك الاعتقاد الواجب بغير عذر شرعي كما ترك الكافر الإسلام) [33] اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله: (فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهي عنها أو لاتباع هواه بغير هدي من الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله؛ فهذا مغفور له خطؤه) [34] اهـ.
وقال ابن تيمية أيضًا: (إن هذا العذر لا يكون عذرا إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصر فيه لم يكن معذورا) [35] اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله: (ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه، أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له، أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل ونحو ذلك) [36] اهـ.
قلت: وفيما نقلنا عن ابن تيمية رحمه الله من الأقوال بيان واضح لا يحتمل التأويل والمتحصل من كلامه رحمه الله؛ أن التكليف من حيث الأصل مقيد بالتمكن من معرفة الحق، وكذلك الحال في تفاصيل أحكام الشريعة، وأن من كان جاهلا غير متمكن من معرفة الحق بوجه ولا ينسب إلى تقصير في ذلك؛ فإنه معذور لا إثم عليه ولا مؤاخذة إن وقع في المخالفة - أيا كانت - بسبب جهله هذا الناتج عن ندرة الحق أو تعطل آلة الفهم، لا عن تفريط في طلب الحق والبحث عنه، وأما من كان متمكنا من معرفة الحق وأحكام الشرع سواء في مسائل الاعتقاد أو الأحكام العملية؛ ثم قصر في ذلك فلم يتعلم ولم يسأل فيما وجب عليه تعلمه أو السؤال عنه ووقع في المخالفة بسبب هذا الجهل؛ فهو غير معذور، وحكمه حكم من بلغه الخطاب وعلمه ثم خالفه عالما بوجه المخالفة وأن التفريط والتقصير منه وأنه من أهل الوعيد ومن الظالمين لأنفسهم.
وقال ابن القيم رحمه الله في كلام صريح لا يحتمل التأويل: (اعتراف العبد بقيام حجة الله عليه من لوازم الإيمان، أطاع أم عصى، فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه فقصر عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة) [37] اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله: (قال سبحانه: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} ، فأخبر سبحانه أن من ابتلاه بقرينه من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب إعراضه وعشوه عن ذكره الذي أنزله علي رسوله، فكان عقوبة هذا الإعراض أن قيض له شيطانه يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه وهو يحسب أنه مهتد ... ) .
إلى أن قال: (فإن قيل؛ فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى كما قال تعالى: {ويحسبون أنهم مهتدون} ؟ قيل؛ لا عذر لهذا وأمثاله من الضُّلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو ظن أنه مهتد فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى، فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه، وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها، فذاك له حكم آخر، والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول، وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه، كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ، وقال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل} ) [38] اهـ.
وقال ابن القيم أيضًا:(وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أوزار من اتبعه، لا ينقص من أوزارهم شيئا" [39] ، وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم، نعم لابد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم معرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود.
فالمتمكن المعرض؛ مفرط، تارك للواجب عليه، لا عذر له عند الله.
وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه؛ فهم قسمان أيضًا: أحدهما؛ مريد للهدى مؤثر له محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة، الثاني؛ معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي، والثاني؛ راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق.
فالأول؛ كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزا وجهلا، والثاني؛ كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.
فتأمل هذا الموضع، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم؛ لا فذاك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب.
وأما في أحكام الدنيا؛ فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة ... ) .
إلى أن قال رحمه الله: (إن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، الثاني: العناد لها بعد قياهما وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها؛ فهذا الذي نفي الله التعذيب عنه حتى يقوم الحجة بالرسل) [40] اهـ.
وما ورد في كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يستحق أن يكتب بماء الذهب لجلالته وبيانه، وقد بيَّن رحمه الله حكم من أضله الله تعالى بعدله، وذلك بإعراضه وعشوه عن ذكر ربه والجزاء من جنس العمل، فكان إعراضه سبب في ضلاله، وأن هذا النوع لا عذر له في فعل المخالفة أيا كان نوعها، وإن ظن أنه مهتد، بل هو معرض مستحق للذم والمؤاخذة على حسب فعله.
وكذلك ما ذكره رحمه الله؛ من الفرق بين من كان جاهلا غير واجد للحق، ولكنه يبحث عنه ويستفرغ وسعه في ذلك، وبين من كان معرضا عن الحق لا يطلبه ولا يجتهد في تحصيله، فالمساواة بينهما ظلم بين، وهذا يبين أن اعتبار أحوال المخالفين للحق بجهل؛ معتبرة في الحكم عليهم في أحكام الآخرة، وهذه سنة الله فيهم، وكذلك الحال في أحكام الدنيا ولا فرق.
وقال القاضي شهاب الدين القرافي رحمه الله: (الفرق الثالث والتسعون: بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح، وقاعدة الجهل يقدح، وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه، اعلم أن هذا الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على قاعدة؛ وهي أن الغزالي حكى الإجماع في إحياء علوم الدين، والشافعي في رسالته حكاه أيضًا؛ في أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه ... ) .
إلى أن قال: (فإذا كان العلم بما يقدم الإنسان عليه واجبا، كان الجاهل في الصلاة عاصيا بترك العلم، فهو كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه، فهذا هو وجه قول مالك رحمه الله أن الجهل في الصلاة كالعمد والجاهل كالمتعمد لا كالناسي، وأما الناسي فمعفو عنه لقوله عليه السلام:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [41] ، وأجمعت الأمة على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة، فهذا فرق، وفرق ثان؛ وهو أن النسيان يهجم على العبد قهرا لا حيلة له في رفعه عنه، والجهل له حيلة في رفعه بالتعلم، وبهذين الفرقين ظهر الفرق بين قاعدة النسيان وقاعدة الجهل) اهـ.
ثم قال القرافي رحمه الله: (الفرق الرابع والتسعون؛ بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذرا فيه: اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها، أو أخذ بجهالات فلم يعف عن مرتكبها، وضابط ما يعفي عنه من الجهالات؛ الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق؛ لم يعف عنه) [42] اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله: (القاعدة الشرعية؛ دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله وأوجب عليهم كافة أن يعلموها ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا؛ فقد عصى معصيتين لتركه واجبين، وإن علم ولم يعمل؛ فقد عصى معصية واحدة بترك العمل، ومن علم وعمل؛ فقد نجا ... ) .
إلى أن قال: (نعم الجهل الذي لا يمكن رفعه للمكلف بمقتضى العادة؛ يكون عذرا له، كما لو تزوج أخته لظنها أجنبية، أو شرب خمرا يظنه خلا، أو أكل طعاما نجسا يظنه طاهرا فهذه الجهالات يعذر بها) [43] اهـ.
وما ورد في كلام القرافي رحمه الله قريب مما ورد في كلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وهو في بيان الفرق بين من استطاع رفع الجهل عنه فلم يفعل وبين من لم يستطع رفعه عنه أو كان فيما يتعذر في العادة التحرز منه، وأن النوع الأول؛ غير معذور لأنه فرط فيما يمكنه رفعه عنه من الجهل وقصر فلم يتعلم ولم يسأل أهل العلم عما يقع له، والنوع الثاني؛ معذور إذ أن رفع الجهل في حالته يدخل في نطاق ما لا يستطيعه، فرفعت عنه المؤاخذة على مخالفته الناشئة عن هذا الجهل، وسواء كان ذلك في أحكام الدنيا أو أحكام الآخرة فلا فرق بينهما، والله تعالى أعلم.
وقال ابن قدامة الحنبلي رحمه الله: (ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنا، قال عمر وعثمان وعلي: لا حد إلا على من علمه، وبهذا قال عامة أهل العلم، فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام والناشئ ببادية قبل منه لأنه يجوز أن يكون صادقا، وإن كان ممن لا يخفي عليه ذلك، كالمسلم الناشئ بين المسلمين وأهل العلم لم يقبل، لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك، فقد علم كذبه، وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، ولأن مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير أهل العلم) [44] اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله: (ومن ترك الصلاة جاحدا لوجوبها؛ كفر، إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب - كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم -؛ لم يحكم بكفره وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها، فإن جحدها بعد ذلك كفر، أما إذا كان الجاحد لها ناشئا في الأمصار بين أهل العلم؛ فإنه يكفر بمجرد جحدها، وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها وهي الزكاة والصيام والحج) [45] اهـ.
وقال رحمه الله عن الزكاة: (فمن أنكر وجوبها جهلا به وكان ممن يجهل ذلك، إما لحداثة عهده بالإسلام أو لأنه نشأ ببادية بعيدة نائية عن الأمصار؛ عرف وجوبها، ولم يحكم بكفره لأنه معذور، وإن كان مسلما ناشئا ببلاد الإسلام بين أهل العلم؛ فهو مرتد، تجري عليه أحكام المرتدين، ويستتاب ثلاثا وإلا قتل، لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على من هذا حاله، فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه بالكتاب والسنة وكفره بهما) [46] اهـ.
والذي يظهر من كلام ابن قدامة رحمه الله؛ اعتبار التقصير من عدمه في النظر إلى حال المكلف عند الحكم عليه، وقد عبر ابن قدامة رحمه الله عن ذلك بلفظ المثلية في بعض أقواله وعبر بغيرها في بعض أقواله الأخرى، والمعنى واحد، وذلك واضح في قوله رحمه الله: (إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك) ، وكذلك قوله: (أما إذا كان الجاحد لها ناشئا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها) ، وقد اعتبر وجود المكلف في دار الإسلام أو بين المسلمين وأهل العلم كافيا في رد اعتذاره بالجهل، وذلك في قوله رحمه الله: (وإن كان ممن لا يخفي عليه ذلك كالمسلم الناشئ بين المسلمين وأهل العلم لم يقبل، لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه) .
وعلى كل حال؛ فالمقصود مما ذكرناه بيان اعتبار التقصير من عدمه في الحكم على فاعل المخالفة، وأما اعتبار وجود المكلف في دار الإسلام أو بين المسلمين؛ فهذا مظنة للعلم ومعرفة بأحكام الشرع، وكذلك فإن دار الكفر أو الحرب؛ مظنة لعدم انتشار الأحكام الشرعية أو ندرة من يعرفها، والعبرة في ذلك كله - والله تعالى أعلم -؛ النظر إلى حال المكلف نفسه، فإن كان مجتهدا في طلب الحق ومعرفته ثم جهل بعض الأحكام فهو معذور لا مؤاخذة عليه، وأما إن كان مقصرا في ذلك، فهو مؤاخذ غير معذور، والله أعلم.
وقال البيضاوي رحمه الله: (قوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} ، المقصود بها التثريب والتوبيخ، لا تقييد الحكم وقصره عليه فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف) [47] اهـ.
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (إذا زنا من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين وادعى الجهل بتحريم الزنا؛ لم يقبل قوله، لأن الظاهر يكذبه، وإن كان الأصل عدم علمه بذلك) [48] اهـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (فهذا من العجب! كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارا، فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسألة خفية - مثل الصرف والعطف - فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه؛ فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة) [49] اهـ.
وقال أيضًا في شرح حديث إسلام عمرو بن عبسة رضي الله عنه: (إن هذا الأعرابي الجاهلي لما ذ كر له أن رجلا بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس، لم يصبر حتى ركب راحلته فقدم عليه وعلم ما عنده لما في قلبه من محبة الدين والخير، وهذا فسر به قوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} ، أي حرصا علي تعلم الدين لأسمعهم أي لأفهمهم، فهذا يدل علي أن عدم الفهم من الناس اليوم عدل منه سبحانه لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص علي تعلم الدين، فتبين أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شر الدواب هو عدم الحرص علي تعلم الدين، فإذا كان هذا الجاهلي يطلب هذا الطلب، فما عذر من يدعي اتباع الأنبياء وبلغه عنهم ما بلغه وعنده من يعرض عليه التعلم ولا يرفع بذلك رأسا؟ فإن حضر أو سمع فكما قال تعالى: {ما يأتيهم من ذكر كم ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم} ) [50] اهـ.
قال عبد القادر عودة رحمه الله: (من المبادئ الأولية في الشريعة الإسلامية؛ أن الجاني لا يؤاخذ على الفعل المحرم إلا إذا كان عالما علما تاما بتحريمه، فإذا جهل التحريم ارتفعت عنه المسئولية، ويكفي في العلم بالتحريم إمكانه، فمتى بلغ الإنسان عاقلا وكان ميسرا له أن يعلم ما حرم عليه إما برجوعه للنصوص الموجبة للتحريم، وإما بسؤال أهل الذكر، اعتبر عالما بالأفعال المحرمة، ولم يكن له أن يعتذر بالجهل أو يحتج بعدم العلم، ولهذا يقول الفقهاء: لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام، ويعتبر المكلف عالما بالأحكام بإمكان العلم لا بتحقق العلم فعلا، ومن ثم يعتبر النص المحرم معلوما للكافة ولو أن أغلبهم لم يطلع عليه أو يعلم عنه شيئا ما دام العلم به كان ممكنا لهم، ولم تشترط الشريعة تحقق العلم فعلا، لأن ذلك يؤدي إلى الحرج ويفتح باب الادعاء بالجهل على مصراعيه ويعطل تنفيذ النصوص، وهذه هي القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية ولا استثناء لها، وإذا كان الفقهاء يرون قبول الاحتجاج بجهل الأحكام ممن عاش في بادية لا يختلط بمسلمين، أو ممن أسلم حديثا ولم يكن مقيما بين المسلمين، فإن هذا ليس استثناء في الواقع وإنما هو تطبيق للقاعدة الأصلية التي تمنع مؤاخذة من يجهل التحريم حتى يصبح العلم ميسرا، فمثل هؤلاء لم يكن العلم ميسرا لهم، ولا يعتبرون عالمين بأحكام الشريعة، أما إذا كان مدعي الجهل ناشئا بين المسلمين أو أهل العلم، فلا يقبل منه الادعاء بالجهل) [51] اهـ.
وقال الشنقيطي رحمه الله: (أما القادر على التعلم المفرط فيه والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي؛ فهذا الذي ليس بمعذور) [52] اهـ.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز - وهو من المعاصرين: (دعوى الجهل والعذر به فيه تفصيل، وليس كل أحد يعذر بالجهل، فالأمور التي جاء بها الإسلام وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم للناس وأوضحها كتاب الله وانتشرت بين المسلمين فإن دعوى الجهل بها لا تقبل ولاسيما ما يتعلق بالعقيدة وأصل الدين، فإن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ليوضح للناس دينهم ويشرحه لهم، وقد بلغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينها وشرح لها كل شيء وتركها على البيضاء ليلها كنهارها، وفي كتاب الله الهدى والنور، فإذا ادعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة وقد انتشر بين المسلمين، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله عز وجل، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة، أو أن صيام رمضان غير واجب، أو الزكاة غير واجبة، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب، هذا كله لا يقبل لأن هذا أمر معلوم بين المسلمين، وقد علم بالضرورة من دين الإسلام وقد انتشر بين المسلمين فلا تقبل الدعوى في ذلك، وهكذا إذا ادعى أنه يجهل ما يفعله المشركون عند القبور أو عند الأصنام من دعوة الأموات والاستعانة بهم والذبح لهم والنذر لهم، أو الذبح للأصنام أو الكواكب أو الأشجار أو الأحجار أو طلب الشفاء أو النصر على الأعداء من الأموات أو الأصنام أو الجن أو الملائكة أو الأنبياء، فكل هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة وأنه شرك أكبر وقد أوضح الله ذلك في كتابه وأوضحه رسوله صلى الله عليه وسلم ... ) .
إلى أن قال:(أما المسائل التي قد تخفى مثل مسائل المعاملات وبعض شئون الصلاة وبعض شئون الصيام، فقد يعذر فيها الجاهل، كما عذر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحرم في جبة وتلطخ بالطيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اخلع عنك الجبة واغسل عنك هذا الطيب واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك"، ولم يأمره بفدية لجهله، وهكذا بعض المسائل التي قد تخفى يعلم فيها الجاهل ويبصر فيها.
أما الأمور الأصولية وأصول العقيدة وأركان الإسلام والمحرمات الظاهرة؛ فلا يقبل ذلك من أحد، فلو قال أحد وهو بين المسلمين؛ إنني ما أعرف أن الزنا حرام، فلا يعذر، بل يقام عليه حد الزنا، أو قال؛ ما أعرف أن الخمر حرام وهو بين المسلمين، فلا يعذر، أو قال؛ ما أعرف أن عقوق الوالدين حرام، فلا يعذر بل يضرب ويؤدب، أو قال؛ ما أعرف أن اللواط - وهو إتيان الذكور - حرام، فلا يعذر، لأن هذه أمور ظاهرة معروفة من المسلمين معروفة في الإسلام، لكن لو كان في بعض البلاد البعيدة عن الإسلام أو في مجاهل أفريقيا التي لا يوجد حولها مسلمون؛ قد يقبل منه دعوى الجهل، وإذا مات على ذلك يكون أمره إلى الله ويكون حكمه حكم أهل الفترة، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة إن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار، أما الذي بين المسلمين ويتعاطى أنواع الكفر بالله ويترك الواجبات المعلومة؛ فهذا لا يعذر لأن الأمر واضح، والمسلمون - بحمد الله - موجودون يصلون ويصومون ويحجون ويعرفون أن الزنا حرام وأن الخمر حرام وأن العقوق حرام، كل هذا معروف بين المسلمين وفاشٍ بينهم، فدعوى الجهل دعوى باطلة، والله المستعان) [53] اهـ.
وقال أيضًا في الرد على سؤال نصه: هل يعذر المسلم إذا فعل شيئا من الشرك كالذبح والنذر لغير الله جاهلا؟ قال: (الأمور قسمان: قسم يعذر فيه بالجهل وقسم لا يعذر فيه بالجهل، فإذا كان من أتي ذلك بين المسلمين وأتي الشرك بالله وعبد غير الله فإنه لا يعذر بالجهل، لأنه مقصر لم يسأل ولم يتبصر في دينه، فيكون غير معذور في عبادته غير الله من أموات أو أشجار أو أحجار أو أصنام لإعراضه وغفلته عن دينه، كما قال سبحانه: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه لأنها ماتت في الجاهلية لم يؤذن له ليستغفر لها لأنها ماتت علي دين قومها عباد الأوثان، ولأنه قال لشخص سأله عن أبيه فقال:"هو في النار"، فلما رأى ما في وجهه قال:"إن أبي وأباك في النار"، لأنه مات علي الشرك بالله وعلى عبادة غير الله، فكيف بالذي بين المسلمين وهو يعبد البدوي أو يعبد الحسين أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو يعبد الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء وأشباههم لا يعذرون من باب أولى، لأنهم أتوا الشرك الأكبر وهم بين المسلمين والقرآن بين أيديهم، وهكذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم موجودة بينهم ولكنهم عن ذلك معرضون) [54] اهـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين - وهو من العاصرين أيضًا: (لكن إذا كان هذا الجاهل مفرطا في التعليم ولم يسأل ولم يبحث؛ فهذا محل نظر، فالجاهل بما يكفر وبما يفسق، إما أن لا يكون منهم تفريط وليس علي بالهم إلا أن هذا العمل مباح، فهؤلاء يعذرون ويدعون للحق، فإن أصروا حكم عليهم بما يقتضيه هذا الإصرار، وأما إذا كان الإنسان يسمع أن هذا محرم أو أن هذا مؤدي للشرك ولكنه تهاون أو استكبر، فهذا لا يعذر بجهله) [55] اهـ.
وقال أيضًا: (لكن إن فرط بترك العلم والتبين؛ لم يعذر، مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر، فلا يتثبت ولا يبحث، فإنه لا يكون معذورا حينئذ) [56] اهـ.
فهذه أقوال أهل العلم قديما وحديثا، مدعومة بالأدلة الشرعية، ومبينة لما ذكرناه من التفريق بين من كان مجتهدا في طلب الحق وبين من كان مقصرا في معرفة وطلب ما وجب عليه من العلم الشرعي، فالأول؛ معذور لا يؤاخذ، وأما الثاني؛ فليس بمعذور بل هو مؤاخذ معرض للعقوبة.
ويتبين مما سبق أيضًا؛ أن كل من فعل الكفر يكفر إذا كان ما فعله معلوما لمثله، ويكفي في ذلك العلم بالتحريم، إذ أن مدار أقوال العلماء قديما وحديثا على ذلك، ولا يشترط البتة علمه بأن ما يفعله كفر مخرج من الملة، وليس على هذا الشرط أثارة من علم.
والمسئول عنه في السؤال؛ وهو مقاتلة المهاجرين والمجاهدين المحليين مع الطاغوت الحاكم في باكستان معلوم بالمعايشة لكل أحد في هذه البلد - عالمهم وجاهلهم - أنه حرام، وخاصة؛ بعد انضمام حكامها السافر إلى الحلف الأمريكي الانجليزي، والفتاوى التي أشار إليها السائل في سؤاله مشهورة معلومة لكل أحد عنده اهتمام بدينه وحرص عليه، وانتشارها حجة لمن يكفر هؤلاء الجنود.
وعليه؛ فإن من نصر الطاغوت الكافر في باكستان - في الحقيقة عبد لليهود والنصارى مطيع لأوامرهم - من نصر مثل هذا على أهل الإسلام؛ فهم كفار مرتدون جملة وعينا، لأن العلم بتحريم ما فعلوه من النصرة المحرمة حاصل لهم أو ممكن على الأقل، ولا يجوز أن يُعتذر لأمثال هؤلاء بما لا يُعذرون به شرعا.
ومن أهم ما يجب على العالم والمفتي والحاكم - إذا عرضت عليه قضية أو سُئِل في حكم يتعلق بالواقع -؛ أن يستقصي صفة هذا الواقع بالتفصيل قبل أن يُقْدِم على الحكم فيه، وهذا من مهمات الفتوى وشرط لتمكن الحاكم والمفتى من الإفتاء الصحيح، وفي مثل هذا يقع اكثر الغلط بين أهل الإسلام.
ولذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلا بنوعين من الفهم، أحدها؛ فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما، والنوع الثاني؛ فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله) [57] اهـ.
وقال رحمه الله:(ذكر عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.
والثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته.
والرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس.
والخامسة: معرفة الناس ... ).
ثم قال ابن القيم رحمه الله: (وأما الخامسة: معرفة الناس، فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر، له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصِّديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق) [58] اهـ.
ولما سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ عن حكم التتار الذين قدموا بلاد المسلمين مرة بعد مرة وغزوها وأظهروا بها الإسلام، ولكنهم تحاكموا فيما بينهم بشرائع وضعها لهم ملكهم جنكز خان وسماها"الياسق"، بيَّن رحمه الله أن الكلام على حكمهم يتوقف على معرفة شيئين وهما: المعرفة بحالهم، ومعرفة حكم الله في أمثالهم، وبعد أن بين رحمه الله تعالى حكم الله في أمثالهم شرع يبين أحوالهم في خمس صفحات كاملة [59] .
وبالنظر في واقع هؤلاء المسئول عنهم - وهم أفراد الجيش الباكستاني -؛ فإن كل من علم أمرهم يرى بعينه أن أكثر هؤلاء ما يدفعهم إلى عملهم هذا - نصرة الطاغوت على أهل الإسلام - إلا الحرص هؤلاء على الدنيا وما يلقيه إليهم هذا الطاغوت من فتاتها، وليس هو شبهة قامت لديهم من كون هؤلاء الطواغيت مسلمون مجاهدون في سبيل الله وأن من خالفهم من أهل الإسلام والمجاهدين خوارج أو بغاة.
إذ أن أكثر من يعيش في هذا البلد يعرف أن هذا الحاكم الذي يدافع هؤلاء عن نظامه وحكمه ويقتلون ويأسرون المجاهدين بأمره هو من أعطى اليهود والنصارى والكفار من الأمريكان والانجليز وغيرهم من أعداء الله ورسوله والمسلمين كل ما أرادوا، بل وفوق ما أرادوا لضرب المسلمين في أفغانستان وإسقاط دولة الإسلام فيها، وهو الذي عقد - وما زال وإلى يومنا هذا - يعقد اتفاقات محاربة الإسلام وتعقب المجاهدين والمهاجرين وقتلهم أو القبض علهم وتسليمهم لأعدائهم.
ويعلم الجميع؛ أنه من اللذين أفسدوا هذا البلد بتسويغ الردة والفساد والفجور والعمل بالقوانين الكافرة فيها، وأنه يحاول بكل ما أوتي من قوة التضييق على المدارس الدينية وطلبة العلم فيها ليحولها إلى مدارس عصرية ليصير طلابها ألعوبة في يده وجرائم هذا الطاغوت أكثر من أن تحصر هنا.
ومن المستقر في القرآن والسنة؛ أن من دفعه إلى الكفر طلب الدنيا والحرص عليها فهو كافر لا عذر له، إذ إن غالب كفر الكافرين - قديما وحديثا - من هذا الباب، وهو الحرص على المال أو الرياسة أو المنصب وما شابه ذلك، وفي هذا يقول تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} [60] ، فبين الله العليم الخبير أن سبب كفرهم ما هو إلا استحباب وتقديم الحياة الدنيا على الآخرة، وأن هذا لم يمنع من الحكم بكفرهم.
هذا، ولا يشترط في الحكم بالكفر أن يفعل الكافر الكفر معتقدا إياه أو مفضلا إياه على الإسلام، فلا يَشتَرِط مثل هذا إلا من ذهب مذهب غلاة الجهمية - أعاذنا الله منهم ومن منهجهم - وهل كان كفر هرقل عظيم الروم إلا من هذا باب الحرص على الملك والرياسة - وحديثه في البخاري وغيره - وهل كان كفر أحبار ورهبان اليهود والنصارى إلا حسدا من عند أنفسهم وحرصا على الرياسة والملك على أقوامهم مع علمهم بصدق الرسول.
وهذا واضح بين في قول اليهوديين اللذين جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عن أسئلة لا يعلم جوابها إلا نبي، فلما أجابهم عنها صلى الله عليه وسلم قالا: (نشهد أنك نبي) ، فقال: (ما يمنعكما من اتباعي؟) قالا: (إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وأنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود) [61] .
فهؤلاء لم يكن سبب كفرهم إلا الحرص على الدنيا والرياسة والملك، وليس اعتقاد صحة ما هم عليه من الكفر.
ومن هذا الباب كفر أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه عرف حق المعرفة أنه صلى الله عليه وسلم صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره، وما منعه من الإيمان به إلا مخافة التعيير، وهذا باب واسع يطول ذكره.
-أما موقع هذه المسألة - أقصد إيقاع الحكم النظري العام الثابت من الأدلة على آحاد المكلفين -؛ فإنها ليست من مسائل الأصول والاعتقاد وإنما هي من المسائل المتعلقة بفقه الواقع، وقد يختلف الناظرون فيها ولا يكون أحدهم آثما أو فاسقا أو مبتدعا - إذا استفرغ وسعه وطاقته في البحث عنها وتعلمها -
إلا إن كانت المسألة متعلقة بإنسان قد نص عليه في القرآن والسنة - كأمثال فرعون وهامان وأبي لهب وأمثالهم ممن هو منصوص عليهم - أو يكون قد نص على طائفتهم بالاسم - كاليهود والنصارى والمجوس والصابئين وأمثالهم - فهؤلاء قد ثبت كفرهم نصا على أعيانهم، وفي مثل هؤلاء قال العلماء: من لم يكفر الكافر فهو كافر، لأن الخلاف فيهم حينئذ يكون ردا للنص المكفر لهم والحاكم بأنهم من أهل النار وجحدا له.
-فأما من ورد تكفيرهم بالوصف دون الاسم؛ فالاختلاف في توصيف حالهم ودخول بعض المعينين في الوصف المنصوص عليه في الأدلة لا يوجب تفسيق ولا تبديع ولا تأثيم للمختلفين فيه، وقد حدث من هذا الكثير والكثير بين السلف والخلف، ولم نر منهم من كفر مخالفه أو فسقه أو بدعه إلى يومنا هذا، وسرد مثل هذا يطول.
-وأما كون الاختلاف في هذه المسألة كالاختلاف في مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف ولا يظهر فيها قوة أحد الدليلين مقابل الآخر، بحيث يقال: إن كل طرف فيها مجتهد مصيب، ولا حرج في أحد القولين:
فهذا ما لا أراه ولا يصح قوله البتة، إذ أن الدلائل واضحة وظاهره على صحة أحد القولين، والمعارض فيها قوله إما ضعيف وإما كالمنعدم لعدم صحته ولعدم قيام الدليل الشرعي على اعتباره، وهذه من المسائل التي أظهرها الله تعالى في كتابه وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم.
وإنا أنصح إخواني المهاجرين والمجاهدين في سبيل الله تعالى بهذه المناسبة؛ بأن يجتهدوا في طلب العلم الشرعي وخاصة ما كان متعلقا منه بالنوازل الحادثة، فإن هذا فرض هام ولازم على مجموعهم، وقد يفترض بعضه على أعيانهم [62] ، ولا يقبل أن يكون المرء في ساحات الجهاد السنين الطويلة ثم يكون أمام المسائل المتعلقة بواقعه حائرا تائها لا يعرف ما يحكمها من الأصول والأحكام، فإن هذا تقصير لا يقبل من العوام فضلا عن المجاهدين، وقد قدمنا بما فيه الكفاية ما يدل على أهمية البحث والتحري فيما يعرض للمرء من أمور دينه.