الصفحة 6 من 10

أما بالنسبة للسؤال الثاني؛

فالخطب فيه أشد، والمصيبة فيمن لا يرى كفر الحكام الطواغيت بأعيانهم في زماننا أعظم، وذلك لأن أدلة كفر من استبدل شريعة الرحمن بشرعة الشيطان، وألزم الناس بقوانين وأحكام مصادمة لأحكام الله وشرائعه في الأصول والفروع، ومن سوغ لنفسه أو أجاز لغيره الخروج عن أحكام الإسلام إلى غيرها من زبالة أذهان البشر، ومن تحاكم إلى غير شريعة الله العادلة أو حكم وقضى بغيرها، ومن سوغ الكفر والردة وقنن منع إقامة الحدود على المرتدين وأهل الفساد والظلم والفجور؛ الأدلة على كفر هؤلاء أكثر من أن تحصى في القرآن والسنة، وهي واضحة لكل من نور الله بصيرته وهداه إلى طاعته [65] .

أما من تمحل وحاول أن يلتمس لهؤلاء الطواغيت أعذارا، واستدل لقوله بما ورد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، وأن الكفر المذكور فيها ليس هو الكفر الأكبر؛ فاستدلاله باطل.

وذلك لأن هذا الأثر ليس صحيح السند إلى ابن عباس.

وعلى افتراض صحته فقد أطلق كثير من الصحابة - غير ابن عباس - القول بأنه كفر بإطلاق، بما يعني أنه الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام بالكلية.

منهم عبد الله بن مسعود فيما نقله عنه ابن جرير وابن كثير وغيرهما؛ أنه سُئل عن الرشوة في الحكم فقال: (ذاك الكفر) ، وتلا الآية.

وروى ابن جرير بإسناده عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشا في الحكم؟ فقال: (لا من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق، ولكن السحت أن يستعينك الرجل على المظلمة فتعينه عليها، فيهدي لك الهدية، فتقبلها) [66] اهـ.

وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما بمثل قول ابن مسعود، وكذلك قال بمثل قولهم الحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والسدي، وذلك فيما نقله ابن قدامة والألوسي.

قال الألوسي رحمه الله:(وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي؟ قال:"لا ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية".

وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سُئِل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له: في الحكم؟ قال:"ذاك الكفر"، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك) [67] اهـ.

وقال ابن قدامة الحنبلي رحمه الله: (قال الله تعالى: {أكالون للسحت} ، قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره:"هو الرشوة"، وقال:"إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر") [68] اهـ.

وقول السدي ذكره ابن جرير في تفسيره، حيث قال السدي: ( {ومن لم يحكم بما أنزل الله} ، يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم؛ فهو من الكافرين) [69] اهـ.

وقد قال جمال الدين القاسمي رحمه الله: (ونقل في اللباب عن ابن مسعود والحسن والنخعي؛ إن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله، فقد كفر وظلم وفسق، وإليه ذهب السدي، لأنه ظاهر الخطاب) .

ثم قال: (وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا وحكم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد) انتهى.

وقال إسماعيل القاضي في"أحكام القرآن": (ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا يعني اليهود واخترع حكما يخالف به حكم الله، وجعله دينا يعمل به، فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكما كان أو غيره) [70] اهـ.

فهذه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة والعلماء في الحاكم الذي يرتشي فيخالف حكم الله لذلك، وأنه كافر، وكذلك من علم حكم الله تعالى فعدل عنه إلى غيره فإنه كافر أيضًا، وهذا الكفر هو الأكبر الذي حكم به على اليهود.

وقال ابن القيم في هذه الآية: (ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص تعمدا من غير جهل ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عموما) [71] اهـ.

وما ذكره ابن القيم عن البغوي؛ أن العلماء يحملون هذا النص على من حكم بغير الشريعة عمدا من غير جهل ولا تأويل، فإنه يؤيد أقوال الصحابة الواردة في ذلك.

وما ذكره ابن القيم أيضًا؛ أن الوعيد يتناول تعطيل الحكم بجميع شرائع الإسلام أو بعضها هو الصحيح في هذا الباب، إذ أن الوعيد توجه إلى اليهود بسبب تعطيل حكم واحد من أحكام التوراة وهو حد الرجم، فلا فرق بين تعطيل كل أحكام الإسلام أو تبديلها، أو تعطيل بعض أحكامه أو تبديل حكم واحد.

وفيما يدل على أن حكم الكفر الأكبر يتناول كل من عطل العمل بحكم الله تعالى سواء كان ذلك التعطيل في القليل أو الكثير، قال ابن القيم رحمه الله: (ومنهم من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله) ، قال: (ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهو أيضًا بعيد، إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه) [72] اهـ.

[65] ذكرنا شرحا مفصلا لمسألة الحكم والتشريع وتعلقها بأصل الدين، وحكم من خرج عن شريعة الرحمن إلى شرعة الشيطان، والمناطات المكفرة في هذه المسألة في الباب السابع من كتابنا"التبيان في أهم مسائل الكفر والإيمان"، وسردها هنا يطول ويخرجنا عن المقصود، فمن أراد مراجعة دلائل هذا الحكم وأقوال أهل العلم في شرخها فليرجع إلى الكتاب المذكور.

[66] تفسير الطبري: 6/ 240.

[67] تفسير روح المعاني للألوسي: 6/ 140.

[68] المغني مع الشرح الكبير: 1/ 437 - 438، راجع أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص: 4/ 85 - 87.

[69] تفسير الطبري: 6/ 257.

[70] محاسن التأويل للقاسمي: 6/ 215 - 216، ط: دار الفكر، وما نقله القاسمي عن إسماعيل القاضي ذكره ابن حجر في فتح الباري: 13/ 120.

[71] مدارج السالكين: 1/ 365، ط: دار الكتب العلمية.

[72] مدارج السالكين لابن القيم: 1/ 365، ط: دار الكتب العلمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت