يظن بعض الناس أن قول من قال من أهل العلم إن هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب؛ معناه أنها لا تعم من فعل فعلهم من غيرهم، ولم يرد قط في لفظ واحد مما نقل عن العلماء أنهم قالوا إن هذه الآيات لا يُعمل بها في حق المسلمين، بل غاية قولهم إنها نزلت في الكفار من أهل الكتاب، وهذا ليس تخصيصا للنص، وليس قصرا للنص العام على سبب النزول، بل إن هذه الأقوال ما هي إلا بيان لسبب النزول.
وقد كان من عادة السلف أن يقولوا: نزلت هذه الآيات في كذا، ولا يقصدون قصر حكمها على سبب نزولها أو فيمن نزلت فيهم.
ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله: (وقد يجئ كثيرا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصا، كأسباب النزول المذكورة في التفسير، كقولهم آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وإن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو هلال بن أمية، وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وأن قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} نزلت في بني قريظة والنضير، وأن قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} نزلت في بدر، وأن قوله: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} نزلت في قضية تميم الداري وعدي بن بداء، ونظائر هذا كثيرة مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو في المؤمنين، فالذين قالوا ذلك؛ لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يُقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا ونهيا؛ فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبر بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضًا) [102] اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله: (فليس شيء من الآيات مختصا بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين، فلم يقل أحد من المسلمين إن آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان أو حد السرقة والمحاربين وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذي كان سبب نزول الآية) [103] اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله: (إن الصحابة يقولون نزلت الآية في كذا، ولا يختلفون في أن نصها يتعدى إلى غير سبب نزولها لما يتناوله لفظها) [104] اهـ.
والخلاصة:
أن ما سبق يدل على أن حكم هذه الآيات يدخل فيه كل من لم يحكم بما أنزل الله - سواء من أهل الكتاب أو من غيرهم - وقد حملها كثير من السلف على المسلمين إذا فعلوا نفس فعلهم، وهذا مذهب جمهور كبير من السلف والعلماء - كابن مسعود وعلى بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وجابر ابن عبد الله والحسن البصري وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي رضي الله عنهم أجمعين -
وقال ابن العربي: (وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة) .
ومن الغريب؛ أن كثيرا ممن يتكلم في هذه المسألة يورد من الآثار ما يدل على أن الكفر في هذه الآيات محمول على الكفر الأصغر، مثل الأثر الوارد عن ابن عباس وابن طاوس وعطاء، ولا يورد أي أثر أو قول يدل على حملها على الأكبر، مثل ما ورد عن ابن مسعود وعمر وعلي وجابر بن عبد الله والحسن وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والسدي والشعبي وغيرهم رضي الله عنهم! مع أن الآثار بحمل الكفر على الكبر أصح سندا وأقوى دلالة من الأخرى، والإنصاف يقتضي ممن يصنف أو يتكلم في هذه المسألة أن يورد كل ما ذكر في المسألة، ثم يتكلم عليه من حيث الرواية والدراية، وهذه هي الأمانة في نقل العلم، ثم يكون الحق حيث تسوق الأدلة وتقود.
وقد قال الشيخ عبد المنعم مصطفى حليمة حفظه الله: (نحن إذ نتكلم عن طغيان الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله وعن حكم الشرع فيه؛ لا نقصد منه صورة ذاك الحاكم الطيب الذي يحب شرع الله ولا يرضى عنه بديلا، ويسعى إلى تطبيقه قدر طاقته في جميع مجالات الحياة، لكنه في واقعة تخونه نفسه فيحكم فيها بغير ما أنزل الله لضعف في نفسه أو هوى مع اعترافه بالتقصير وشعوره بالإثم ... ) .
إلى أن قال: (فنحن لا نريد هذه الصورة الشبه غائبة عن الساحة ومنذ زمن بعيد، وإنما نريد حالة أخرى، نريد تلك الصورة السائدة في كثير من أمصار المسلمين، نريد ذاك الحاكم الذي غَيَّر وبدَّل، وقدم شرع الطاغوت على شرع الله، واستحسنه وحسنه في أعين الناس، نريد ذاك الحاكم الذي يحارب ويعادي شرع الله، والدعاة إلى تطبيق شرع الله في الأرض، نريد ذاك الحاكم الذي يحمي - بالمال والرجال والسلاح - والقوانين الكفر، ويقاتل الأمة دونها، نريد ذاك الحاكم الذي ظهرت فيه جميع العلامات والقرائن الدالة على كرهه لشرع الله، نريد ذاك الحاكم الذي يحتاج إلى ثورة عارمة مسلحة حتى ينصاع إلى أمر أو حكم واحد من أحكام الله، نريد ذاك الحاكم الذي استحل - بلسان الحال والعمل وهو أقوى من لسان المقال - الحكم بغير ما أنزل الله، فهذه الصورة الخبيثة الجاثمة على صدر الأمة ومقدراتها؛ نريد، وهذا الحاكم الطاغي - بصفاته الآنفة الذكر -؛ نريد، وفيه نقول: قد اجتمعت أدلة الكتاب والسنة، وجميع أقوال علماء الأمة المعتبرين - بما لا يدع مجالا للشك والتوقف أو التردد - على كفره، كفرا بواحا ظاهرا، لا يتوقف في تكفيره إلا كل مرجف مغفل، أو جاهل أعمى البصر والبصيرة) [105] اهـ.
وأختم كلامي عن الفرق بين حكام اليوم وبين من قيل فيهم"كفر دون كفر"، بكلام الأستاذ محمود شاكر الذي نقله عنه أخوه أحمد شاكر رحمهما الله، وهو كلام نفيس يبين صحة ما ذكرناه:
قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله في التعليق على أثر ابن عباس وأبي مجلز - لاحق بن حميد - التابعي: (اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد؛ فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون الكفر شريعة في بلاد الإسلام، فلما وقف على هذين الخبرين اتخذهما رأيا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها والعامل بها ... ) .
إلى أن قال رحمه الله:(وإذن، فلم يكن سؤالهم - أي سؤال الخوارج لأبي مجلز [106] - عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه.
والذي نحن فيه اليوم؛ هو هجر لأحكام الله تعالى بلا استثناء وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة.
ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة؛ فإنه - أي السلطان - إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة والمفغرة، وإما أن يكون حكم بها متأولا حكما خالف به سائر العلماء، فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء أو أمر بأمر جاحدا لحكم من أحكام الشريعة أو مؤثرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام؛ فذلك لم يكن قط، فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز إليه.
فمن احتج بهذين الأثرين في غير بابهما وصرفهما إلى غير معناهما رغبة في نصرة سلطان أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده؛ فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله؛ أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام، فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين) [107] اهـ.
ولذلك يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كلام واضح صريح: (فما يمكن أن يجتمع الإيمان وعدم تحكيم شريعة الله أو عدم الرضا بحكم هذه الشريعة، والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم مؤمنون ثم هم لا يحكمون شريعة الله في حياتهم، أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم، إنما يدعون دعوى كاذبة وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع؛ {وما أولئك بالمؤمنين} ، فليس الأمر في هذا هو أمر عدم تحكيم شريعة الله من الحكام فحسب، بل إنه كذلك عدم الرضا بحكم الله من المحكومين؛ يخرجهم من دائرة الإيمان - مهما ادعوه باللسان - وهذا النص هنا يطابق النص الآخر؛ {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ... ) .
إلى أن قال: (ومرد الأمر؛ أن القضية هي قضية الإقرار بألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته على البشر، أو رفض هذا الإقرار، وأن قبول شريعة الله والرضا بحكمها هو مظهر هذا الإقرار بألوهيته وربوبيته وقوامته، ورفضها والتولي عنها هو مظهر رفض هذا الإقرار) [108] اهـ.
وقال الدكتور عمر عبد الرحمن حفظه الله وفك الله أسره:(نحن أمام نوعين من الحكام:
أحدهما: مسلم يحكم بكتاب الله، ولكنه ترك الحكم بما أنزل الله في إحدى الوقائع أو بعضها وهو يعلم أنه بذلك عاص آثم.
والآخر: يدعي الإسلام، ولا يحكم بكتاب الله، ولكن يحكم بتشريع وضعي - يشرعه هو أو غيره من البشر - ويحمل الناس على التحاكم إلى هذا الشرع الوضعي، منحيا شرع الله عن الحكم.
فما القول في كل منهما؟ وما نصيب كل واحد منهما من قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، هل يستوي هذا الحاكم الذي أسس بنيان حكمه على الإسلام، وعلم أنه عبد لله ما عليه إلا أن يطبق حكم الله ويقيم شرع الله، بيد أنه أتى معصية بتركه الحكم بما أنزل الله في واقعة، عصيانا، لا جحودا ولا استبدالا ولا اعتقادا بأفضلية شرع غير شرع الله، وليس عنده تشريع غير شرع الله يأمر الناس بالتحاكم إليه، هل يستوي هذا مع من أسس بنيان حكمه على شفا جرف هار من القوانين الوضعية فانهارت به في نار جهنم، فتجده لا يحكم بما أنزل الله لأنه لا يقيم حكمه على أساس أنه عبد لله، بل يرى أنه هو أو غيره - برلمانا كان أو حزبا أو هيئة أو نظاما - صاحب الحق في التشريع من دون الله، أو التشريع مع الله؟!
إن الأول منهما - بلا جدال -؛ إنما هو حاكم مسلم عاص، مسلم؛ لأنه يقيم حكمه على أساس أن الحكم والتشريع إنما هو خالص حق الله تعالى لا يشاركه فيه غيره، ويعلم أن دوره كوالٍ أو خليفة للمسلمين؛ هو أنه يحكم بين عباد الله بما أنزل الله، عاص؛ لأنه خالف مولاه فترك الحكم بما أنزل الله في واقعة، عصيانا، لا جحودا ولا استبدالا، وهو الذي عناه ابن عباس بقوله:"إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه" [109] ، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة؛ {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ،"كفر دون كفر".
أما الثاني - قاتله الله -؛ فهو كافر؛ كافر لأنه أراد أن يجعل نفسه أو غيره شريكا لله، أراد أن يخلع على نفسه صفة من صفات الربوبية وخاصية من خصائصها، ألا وهي حق التشريع، قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ، من فعل ذلك فهو كافر قطعا، وكفره كفر أكبر ينقل عن الملة، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم.
هذا هو الحق الذي لا مراء فيه، وهذا هو القول الفصل في النوعين) [110] اهـ.
فهذه الأقوال وغيرها مما يجري مجراها؛ يجب أن تحمل على محملها الصحيح - كما تقدم ذكره - ولا يجوز لأحد أن يحملها على غير محملها الصحيح، فينزلها غير منزلتها اللائقة بها، فيكون - كما قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله - وضع كلام أهل العلم في غير موضعه وأزال بهجته [111] .
والله تعالى أعلم
[102] مجموع الفتاوى: 13/ 338 - 339.
[103] مجموع الفتاوى: 19/ 14.
[104] مجموع الفتاوى: 13/ 28 - 29.
[105] الطاغوت لمصطفى عبد المنعم حليمة: 82 - 83.
[106] خبر أبي مجلز أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ، ومختصره؛ أن الخوارج قالوا لأبي مجلز - لاحق بن حميد الشيباني: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ؟ قال: نعم، قالوا: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} ؟ قال: نعم، قالوا: أفيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: (نعم، هو دينهم الذي به يحكمون والذي به يتكلمون وإليه يدعون، فإذا تركوا منه شيئا علموا أنه جور منهم) ، فقد كان أبو مجلز يتكلم عن الحكام في زمن التابعين وهؤلاء الحكام لم يكونوا مبدلين لشريعة الله ولم يكونوا يحكمون بغير ما أنزل الله، بل غاية ما كان فيهم بعض الجور والظلم والمعصية، فلا يستوي هؤلاء مع الذين يجاهرون بالحكم بغير شريعة الله تعالى ويعتمدون من المناهج المصادمة لدين الله جملة وتفصيلا.
[107] عمدة التفسير: 4/ 155 - 158.
[108] الظلال: 2/ 895.
[109] سبق بيان ضعف الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه.
[110] أصناف الحكام وأحكامهم للدكتور عمر عبد الرحمن: 59 - 61.
[111] راجع كلام الشيخ عبد اللطيف رحمه الله في الباب الثاني - مسائل الإيمان - المسألة الخامسة.