وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل ، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما من اتفق له الذب عنه ، والسبق إليه بالهجرة ، أو النصرة ، أو ضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده ، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده ، لأنه ما من خصلة إلا وللذي سبق بها مثل اجر من عمل بها من بعده ، فظهر فضلهم [5] .
قال النووي: ( وفضيلة الصحبة - ولو لحظة - لا يوازيها عمل ، ولا تنال درجتها بشيء ، والفضائل لا تؤخذ بالقياس ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) [6] .
ايضا التزكية الداخلية لهم من الله عز وجل ، العليم بذات الصدور ، مثل قوله تعالى: { فعلم ما في قلوبهم } ، وقبول توبتهم { لقد تاب الله عن النبي والمهاجرين والأنصار} ، ورضاه عنهم { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } . . . ألخ ، كل ذلك اختصوا به ، فانى لمن بعدهم مثل هذه التزكيات ؟
لكن قد يقول قائل: لقد وردت بعض الروايات الدالة على خلاف ما ذكرت [7] مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابي ثعلبة: (( تاتي ايام للعامل فيهن أجر خمسين ) ). قيل منهم أو منا يا رسول الله؟. قال: (( بل منكم ) ) [8] .
وكذلك ما روى ابو جمعة رضي الله عنه ، قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أحد خير منا ؟ اسلمنا معك وجاهدنا معك ؟ . قال: (( قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ) ) [9] .
وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث والأحاديث السابقة من عدة وجوه ، أهمها:
? الوجه الأول: حديث (( للعامل فيهن أجر خمسين ) )لا يدل على الأفضلية ، لأن مجرد زيادة الأجر على بعض الاعمال لا يستلزم ثبوت الأفضلية مطلقا .
? الوجه الثاني: أن المفضول قد توجد فيه مزايا وفضائل ليست عند الفاضل ، ولكن من حيث مجموع الخصال لا يساوي الفاضل .