فأما إن قال: هذا الحديث صحيح أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالمًا بأنه كذب، فهذا كذب عليه وعجّل عقوبته ليكون ذلك عاصمًا من أن يدخل في العدول من ليس منهم من المنافقين ونحوهم.
وأما من روى حديثًا يعلم أنه كذب فهذا حرام كما صح عنه أنه قال:"من روى عني حديثًا يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين"لكنه لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر.
القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلّط عقوبته لكن لا يكفر ولا يجوز قتله لأن موجبات الكفر والقتل معلومة وليس هذا منها. فلا يجوز أن يثبت الأصل له. ومن قال هذا فلابد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمنًا لعيب ظاهر. فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلامًا يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة مثل حديث عرق الخيل ونحوه من الترهات فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهرًا ولا ريب أنه كافر حلال الدم.
وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنه كان منافقًا فقتله لذلك للكذب، وهذا الجواب ليس بشيء.
قلت: ثم بيَّن ضعفه. ثم قال: لكن يمكن أن يقال فيه ما هو أقرب من هذا وهو أن هذا الرجل كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - كذبًا يتضمن انتقاصه وعيبه لأنه زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكّمه على دمائهم وأموالهم وأذن له أن يبيت حيث شاء من بيوتهم، ومقصوده بذلك أن يبيت عند تلك المرأة ليفجر بها، ولا يمكنهم الإنكار عليه إذا كان محكّمًا في الدماء والأموال.
ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحلل الحرام، ومن زعم أنه أحل المحرمات من الدماء والأموال والفواحش فقد انتقصه وعابه ونسب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أنه يأذن أن يبيت عند امرأة أجنبية خاليًا بها وأنه يحكم بما شاء في قوم مسلمين. وهذا طعن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعيب له.