الصفحة 27 من 52

أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن هؤلاء من قال يكفر بذلك قاله جماعة منهم أبو محمد الجويني. ووجه هذه القول أن الكذب عليه كذب على الله ولهذا قال:"إن كذبًا علّي ليس ككذب على أحدكم"ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبرًا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسوله وبيَّن ذلك أن الكذب بمنزلة التكذيب له ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بالحق لمّا جاءه} [العنكبوت: 68] .

بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثمًا من المكذِّب له ولهذا بدأ الله به. فالكاذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كالمكذب له.

وأيضًا فإن تعمّد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به بل وقد لا يجوز الأمر بها وهذه نسبة له إلى السَّفه، أو أنه يخبر بأشياء باطلة وهذه نسبة له إلى الكذب وهو كفر صريح.

وأيضًا فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان عالمًا بكذب نفسه كفر بالاتفاق، فمن زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب شيئًا لم يوجبه أو حرّم شيئًا لم يحرمه فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول وزاد عليه بأن صرح بأن الرسول قال ذلك.

فإذ كذب الرجل عليه متعمدًا أو أخبر عنه بما لم يكن فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه إذ لو كان كمالًا لوجد منه ومن انتقص الرسول فقد كفر.

واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه لكن يتوجه أن يفرّق بين الذي يكذب عليه مشافهة وبين الذي يكذب عليه بواسطة مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا. فهذا إنما كذب على ذلك الرجل ونسب إليه الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت