الصفحة 17 من 46

قال هذا قبلك، قال: قلت: هم أرادوا رسول الله بنقص، فلم يجدوا أحدًا من الأمة يتابعهم على ذلك، فتنقصوا هؤلاء عند أبناء هؤلاء، وهؤلاء عند أبناء هؤلاء، فكأنهم قالوا: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصحبه صحابة السوء وما اقبح بالرجل أن يصحبه صحابة السوء فقال: ما أراه إلا كما قلت.

قال الإمام أبو زرعة - رحمه الله - (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة) رواه الخطيب في الكفاية (ص97) وابن عساكر في تاريخه (38/ 32) .

والمنقول عن أهل العلم في هذا الباب كثير فقد هتكوا سجف الخائضين في أعراض الصحابة المفتونين بتتبع هفواتهم وزلاتهم وقد أصاب معاوية - رضي الله عنه - من ظلم هؤلاء وبغيهم ما لم يصب غيره.

ونحن لا ننزه معاوية - رضي الله عنه - ولا من هو أفضل منه عن الذنوب غير أن هذا باب وله ضوابط، وطعن هؤلاء فساد وله مرامي بعيدة فمعاوية - رضي الله عنه - علم في الأمة طلب المجد فارتقاه، فظهر صدقه وعفافه وحلمه وعدله واهتمامه برعيته وحسن سياسته لهم على اختلاف منازلهم وتنوع رغباتهم وقد أجمع المسلمون على فضله وصدق إسلامه وأمانته.

وقد شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة حنين فدخل في جملة المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم في قوله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) } (سورة التوبة) .

فمن وصفه بالنفاق بعد الشهادة له بالإيمان فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا، ومثله تجب استتابته فإن تاب وأناب إلى ربه وإلا وجب على السلطان قتله في أصح قولي العلماء، ولا عذر لمن ولاه الله أمر المسلمين ومكنه منه أن يدعه بدون عقاب، أو على الأقل يخنق فكره الشاذ ويضع في يديه ورجليه الأغلال التي تعيقه عن مسار ظالم وهجوم غاشم وأوهام ليس لها زمام ولا خطام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت