الصفحة 18 من 46

وقد يظن من لا علم عنده أن هذا من الحجر على الاجتهادات واحتكار الآراء والاعتداء على أصحابها وهذا غير صحيح وليس هذا الظن في مكانه.

فالاجتهاد في فروع الشريعة والمسائل المختلف فيها وترجيح ما يقتضي الدليل ترجيحه والنظر في مستجدات الحياة والاجتهاد في بيان حكمها أمر واجب على أهل العلم والنظر، والحاجة داعية إليه.

وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - للحاكم المجتهد أجرين إن أصاب الحق، وأجرًا واحدًا إن زلت قدمه عن طريق الصواب والخبر في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

وهذا اللون من الاجتهاد بقيوده وشروطه الشرعية لا ينازع فيه أهل العلم، ولهم فيه مصنفات، ولكن الاجتهاد المذموم المطرح هو زوبعة هؤلاء الجرّاحين في الكلام عن الصحابة والخوض في عدالتهم وفتح المجال للطعن فيهم والحط من قدرهم أو تصنيفهم وتقويمهم كما هو الحال فيمن بعدهم.

وهذه حقيقة الفوضوية والخرق للإجماع الصحيح، ومثل هؤلاء إذا لم يرتدعوا بالوعد والوعيد والبلاغ المقنع فلا عدول عن تقويمهم بالحديد والحكم عليهم بما يكف شرهم ويبطل كيدهم صيانة لعقائد المسلمين من لوثة الرفض ونزعة الاعتزال والله المستعان.

ومن مناقبه - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بوأه مكانة رفيعة وأَناله ثقة كبيرة فجعله كاتبًا للوحي، وناهيك بذلك عزا وشرفًا، ولم يزل في المنقبة العظيمة حتى فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - الدنيا.

واستعمله عمر - رضي الله عنه - على ولاية دمشق [1] بعد موت أخيه يزيد [2] ، ولم يتهمه في ولايته ولا طعن أحد من الصحابة في ذلك، ولما ولي عثمان - رضي الله عنه - أقره على ذلك وزاده بلادًا أخرى فحصل من ذلك خير كثير ففي سنة سبع وعشرين افتتح جزيرة قبرص (وسكنها المسلمون قريبًا من ستين سنة

(1) وذكر خليفة بن خياط في تاريخه (155) أن عمر ولى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء ثم جمع الشام كلها لمعاوية، قال الحافظ الذهبي في السير (3/ 133) والمحفوظ أن الذي أفرد معاوية بالشام عثمان).

(2) وقيل إنّ يزيد بن أبي سفيان - رضي الله عنه - لما مرض استخلف أخاه معاوية لما يعرفه عنه من الأهلية والكفاءة والقدرة على سياسية البلاد فأمضى ذلك أمير المؤمنين - رضي الله عنه - وحسبك به في معرفة الرجال، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) )رواه الترمذي (3682) من طريق خارجة بن عبد الله عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وانظر البداية والنهاية (7/ 95) ، (8/ 21) للحافظ ابن كثير وفتاوي شيخ الإسلام (4/ 472) ، (35/ 64 - 65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت