في أيامه ومن بعده ولم تزل الفتوحات والجهاد قائمًا على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها) [1] فصار هذا كالإجماع من علية القوم على فضله وقدرته على سياسة البلاد على أحسن حال، وهذه حقائق تاريخية ثابتة عند أهل العلم، ولم يطعن في شيء منها عارف بحقيقة التاريخ، ومن عميت عليه هذه الحقيقة فسلط قلمه في المخاصمة بها أو طمس حقائقها باحتمالات عقلية وصيحات صحفية فقد وقع في المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، فحقائق التاريخ لا يمكن أن تتغير بمثل هذا الإرجاف في الخصام فإن التاريخ كما أثبت ظلم الحجاج وفسقه وسفه يزيد بن معاوية فقد أثبت إيمان معاوية وعلمه وحلمه وعظيم فتوحاته.
ومن مناقبه أنه لما ملك وهو أفضل ملوك هذه الأمة [2] كان حسن السيرة كبير القدر عظيم العدل وقد تحقق على يده من الخير ونصرة الدين ما لم يتحقق على يدي من جاء بعده ولذلك أحبته رعيته وأثنى عليه المسلمون، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ... ) رواه مسلم في صحيحه من حديث عوف بن مالك - رضي الله عنه - وأحق الملوك بهذا الخبر معاوية - رضي الله عنه -، فإن المسلمين يحبونه ويدعون له، فلا يطعن فيه أو يتنقصه إلا من رخص عليه دينه.
قال إبراهيم بن ميسرة: (ما رأيت عمر بن عبدالعزيز ضرب إنسانًا قط إلا إنسانًاَ شتم معاوية فضربه أسواطًا) [3] .
وقال عبدالله بن أحمد: (سألت أبي عن رجل سب رجلًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أرى أن يضرب، فقلت: له حد. فلم يقف على الحد إلا أنه قال: يضرب وما أراه على الإسلام) [4] .
وقال رحمه الله: (ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساويه كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم ويكون قلبه لهم سليمًا) [5] .
(1) البداية والنهاية (8/ 118) للحافظ ابن كثير.
(2) بالإجماع قاله شيخ الإسلام - رحمه الله - في الفتاوى (4/ 478) .
(3) رواه اللالكائي في أصول أهل السنة (7/ 1266) .
(4) رواه اللالكائي في أصول أهل السنة (7/ 1266) .
(5) مناقب أحمد لابن الجوزي (210) .