لكون بعضهم يسب عليا [1] رضي الله عنه بعد الفتنة، وقد شاركهم في هذا الذم طوائف ضالة ليس لديها ميزان عدل فأقذعت في السب ورمت بالكلام على عواهنه.
ولا وجه لهذا إلا الجهل والهوى والعصبية الجاهلية فإن في بني أمية ثالث الخلفاء عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وصحابة أبرارا خيار قد ماتوا قبل الفتنة كيزيد بن أبي سفيان وأبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفيهم غير ذلك مما هو معروف في الأحاديث الصحاح، ولكنهم لا يفقهون ولا يعقلون فيجعلون من الحسنة سيئة ومن المعصية كفرا، ويأخذون الرجل بجريرة غيره، فإذا أخطأ يزيد بن معاوية أو مروان بن الحكم؛ حكموا بالخطأ والضلال على معاوية وبني أمية الذين ماتوا قبل أن يولد يزيد ومروان فسبحان من أعمى بصائرهم وطمس على قلوبهم فلا يفقهون الحق ولا يعونه، ولهذه المسألة بحوث مستقلة تراجع لها، فالمقصود هنا التنبيه على فضل معاوية - رضي الله عنه - والإنكار على من طعن فيه وهو مع هذا غير معصوم عن الخطأ بل يقع منه - كقتاله يوم صفين [2] كما يقع من غيره، ولم يقل
(1) وفضل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وسبقه للإسلام وقرابته من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومصاهرته وعلمه بالدين وأحكامه وسمو مقامه وجهاده وشجاعته وكونه رابع الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالجنة أمر مقطوع به لا يجهله مسلم ولا يكابر فيه أحد من أهل القبلة، ومن سبه أو طعن فيه فقد افترى قولًا عظيمًا واحتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا، والخبر المخرج في صحيح مسلم (2409) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: (( استعمل على المدينة من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشتم عليًا. قال: فأبى سهل. فقال: أما إذا أبيت فقل لعن الله أبا تراب ) )فهذه زلة كبيرة يذوب لهو قلب المؤمن فلا يلتفت لذلك والحساب عند رب العالمين.
(2) وقد اتخذت الرافضة وبعض الكتّاب المعاصرين من هذه الواقعة طعنا في معاوية وتعرية له من الفضائل والمكارم واتهامًاله في مقصده ونيته، وهولوا في هذه القضية وزادوا ونقصوا ولبسوا الحق بالباطل واختلقوا الأكاذيب والحكايات لشينه وذمه والتشفي منه نعوذ بالله من الحقد والجور (( قيل للحسن يا أبا سعيد إن هاهنا قومًا يشتمون أو يلعنون معاوية وابن الزبير فقال: على أولئك الذين يلعنون لعنة الله ) )رواه ابن عساكر في تاريخه (59/ 206) وجاء رجل إلى الإمام أبي زرعة الرازي فقال: يا أبا زرعة، أنا أبغض معاوية قال: لم؟ قال: لأنه قاتل علي بن أبي طالب فقال أبو زرعة: إن رب معاوية رب رحيم، وخصم معاوية خصم كريم. فأيش دخولك أنت بينهما - رضي الله عنهم أجمعين) رواه ابن عساكر في التاريخ (59/ 141) ، وأهل السنة يقولون في هذه القضية إن الأقرب إلى الحق هو علي - رضي الله عنه - وأدلة هذا كثيرة والواقف عليها لا يستريب في ذلك، قال شيخ الإسلام في الفتاوى (4/ 433) (( فثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن علي بن أبي طالب والذين معه كانوا أولى بالحق من الطائفة المقاتلة له ) )ولا شك أن معاوية - رضي الله عنه - كان مجتهدًا متأولًا له ما لأهل الاجتهاد والتأويل كما سيأتي إن شاء الله.