رضي الله عنهم - في نقل المساوي والمثالب والوقائع الملفقة وما كان أهل الحديث ونقاده وجهابذة الجرح والتعديل يعتمدون على واحد منهم لعدم ضبطهم وكثرة كذبهم.
ثانيها: ما صح سنده، وله محمل حسن، فيجب حمله عليه إحسانًا للظن بهم، فهم أحق الناس بهذا وأولاهم بحمل ألفاظهم وأفعالهم على أحسن مقصد وأنبل عمل، ومن أبت نفسه الخير، وحرمت سلامة القصد ووثب على مقاصد وألفاظ أئمة الدين، وجعل من المحتمل زلة، ومن الظن جرحًا؛ فقد عظم ظلمه وغلب جهله وناله من الحرمان ما نال أمثاله من مرضى القلوب.
ثالثها: ما صدر عن محض الاجتهاد والشبهة والتأويل، كالوقائع التي كانت بينهم، وغيرها من الأمور القولية والفعلية، فهذه أمور واردة عن اجتهاد وتأويل، فللمصيب فيها أجران وللمخطي أجر واحد، والخطأ مغفور، لما روى البخاري (7352) ومسلم (1716) من طريق يزيد بن عبدالله عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) .
فمن أفتى أو حكم أو قضى أو قال بخلاف الحق لشبهة قامت عنده أو سنة لم تبلغه أو تأويل له وجهه فإنه يثاب على هذا الاجتهاد والخطأ مغفور، كما دل عليه هذا الخبر وكما قال تعالى في دعاء المؤمنين: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} (سورة البقرة(286 ) ) وفي صحيح مسلم (2/ 146 نووي) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: (( أن الله تبارك وتعالى قال:(قد فعلت ) ).
وهذا الأصل مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن شابههم فلم يعذروا هذا الصنف من المجتهدين المتأولين وألحقوا بهم أدلة الوعيد وجعلوهم من المذمومين الضالين.
وهذا من فساد القلوب والجور في الحكم. فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أن المجتهد المخطيء مرفوع عنه الإثم سواء تقدم عهده أم تأخر. ومن طعن فيه بالهوى وألحق به أدلة الوعيد على التعيين ورماه بالضلالة والبدعة فقد قال مالا علم له به وشابه في ذلك الخوارج المارقين ولحقه من الذم ما لحق أشباهه من المعتدين.