الأموي اسمه محمود بن إبراهيم الشيرازي، وهو يسب الشيخين ويصرح بلعنهما، فرفع إلى القاضي المالكي قاضي القضاة جمال المسلاتي، فاستتابه عن ذلك وأحضر الضراب، فأول ضربة قال: لا إله إلا الله، علي ولي الله، ولما ضربه الثانية، لعن أبا بكر وعمر، فالتهمه العامة وأوسعوه ضربًا مبرحًا فجعل القاضي يستكفهم عنه فلم يستطع ذلك، فجعل الرافضي يسب ويلعن الصحابة وقال: كانوا على الضلال، فعند ذلك حمل إلى نائب السلطنة وشهد عليه قوله بأنهم كانوا على الضلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه وأحرقته العامة قبحه الله).
ثم اعلم أن ما ذكر هنا عن الروافض غيض من فيض فلم أقصد الإطالة فضلًا عن الاستيعاب في بيان عقائدهم في الأولياء والصالحين وسائر الأموات من الطواغيت وغيرهم فقد زادوا على شرك مشركي العرب زمن بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد مر بك وسمعت كيف كان غلوهم في أئمتهم وصرف خالص حق الله لهم.
فكن منهم على حذر فقد كان أئمة المسلمين يحذرون منهم وينهون عن مجالستهم ومخالطتهم والركون إليهم والاستعانة بهم وتوليتهم شيئًا من أعمال المسلمين [1] .
(1) ولا يعني هذا التخلي عن مناظرتهم ودعوتهم وزعزعة دينهم وكشف التناقضات الموجودة فيه، فإن هذا القول - وإن قاله من قاله - خلاف الكتاب والسنة والنظر الصحيح، فإن الله أمر بدعوة المشركين وعباد القبور والأوثان وأهل الكتابين وأذن بمناظرتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وأمر الله - جل وعلا - نبيه وكليمه موسى بأن يذهب هو وأخوه هارون - عليهما السلام - إلى فرعون أكفر أهل الأرض القائل أنا ربكم الأعلى فيدعواه إلى التوحيد والإيمان بالله، فلا نتحجّر رحمة الله تعالى وهدايته لعباده مهما بلغ كفرهم وإعراضهم، ومهما تنوعت مسالكهم وتوجهاتهم فإن الحق يفرض نفسه، ويعلو ولا يُعلى، وقد أحسن من قال.
اين وجه قول الحق في صدر سامع ... ودعه فنور الحق يسري ويشرق.
ثم إن ترك هؤلاء وشأنهم يقتضي تزايدهم وتفاقم أمرهم وإحداث الأضرار بالدين والدنيا. وهذا ما تجنيه نظرية التخلي عنهم مطلقًا؛ لأنه لا يوجد من يكمم أفواههم ويأخذ على أيديهم فلم يبق إلا سبيل المناصحة والمناظرة وكشف شبههم ونصر الحق بقدر الإمكان والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
غير أن الداعي إلى الله والمناظر يجب عليه أمران أساسيان:
أولًا: العلم بدين المسلمين وعقيدة أهل السنة والجماعة لئلا يلبسوا عليه ويوقعوه في الهلكة.
ثانيًا: العلم بدينهم وأحوالهم عن طريق كتبهم وواقعهم.
وبدون هذين الأمرين لا تجوز مناظرتهم.