قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]
في هذه الآية إخبار من الله سبحانه وتعالى بكفر من لم يحكم بشرعه ..
وقد سُئل عبد الله بن مسعود عن الرشوة في الحكم فقال: ذاك الكفر، وتلا الآية، وبمثل قول ابن مسعود قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
وقال به من التابعين: الحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والسدي.
قال السدي في تفسير الآية: (يقول ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين) .
والكفر المذكور في الآية هو الكفر الأكبر المخرج من الملة.
لأن الأصل في الكفر حيثما ورد أن معناه الكفر المخرج من الملة ولا يجوز حمله على غيره إلا بدليل، ولأن الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة لا على المجاز.
وقد ورد في الآية عدة مؤكدات تدل على أن الكفر المذكور هو الكفر الحقيقي، ومنها:
1 ـ أنه جاء بصيغة الإسم المعرف بأل ــ (الكافرون) ــ الدال على حصول كمال المعنى.
2 -أنه جاء بلفظ الإسم (الكافرون) والاسم يدل على الثبوت واللزوم، بخلاف الفعل فهو يدل على التجدد والحدوث.
3 -فصل المسند إليه بضمير فصل عن المسند يفيد تخصيصه به، كما قال في الجوهر المكنون:
وفصله يفيد قصر المسند ... عليه كالصوفي هو المهتدي.
وقال الخطيب القزويني في الإيضاح:
(وأما توسط الفصل بينه وبين المسند فلتخصصه به كقولك زيد هو المنطلق) الإيضاح في علوم البلاغة (ص: 55)