الصفحة 23 من 48

في تاريخنا وتفكيرنا وثقافتنا ... إن المسلم كان منسحقًا سياسيًا أمام السلطات، وعقائدنا أمام الجبر، وإراديًا أمام رجال الصوفية، وفكريًا أمام رجال المذاهب .. وما زال الاستبداد مكرسًا في الحركة الإسلامية .. إننا ثمرة مجتمع متخلف ورغم عهر الغربي إلا أنه يعيش تجربة حضارية متقدمة علينا.

ومن جهة أخرى حاولت قيادة حركة الاتجاه الإسلامي التصدي لهذا الكم من الأسئلة والمراجعات التي لم تعد تقتصر على تيار الإسلاميين التقدميين، بل تعدته إلى الحصون الداخلية للحركة. يضاف إلى ذلك صعود"حزب التحرير الإسلامي" (فرع تونس) الذي بدأ يتغلغل ويستقطب عناصره من داخل الحزام التنظيمي لحركة الاتجاه مستغلًا تذبذبها الفكري ووجود قيادتها داخل السجن. هذا الوضع الصعب والمحفوف بالمخاطر دفع رئيس الحركة الأستاذ راشد الغنُّوشي إلى أن يصدر من داخل السجن في صيف 1983م رسالة تحت عنوان"حق الاختلاف وواجب وحدة الصف"بهدف مواجهة الوضع الداخلي بكثير من الحزم والحكمة. ثم حتى لا تنال المحاولات التي يقوم بها خصوم ومنافسون إسلاميون وغيرهم في الداخل والخارج بغية استقطاب بعض النجاح في إحداث الخلل والتمزق). [1]

إذًا: لقد أحدث انفصال (الإسلاميين التقدميين) عن حركة الاتجاه الإسلامي رجّة فكرية دعت الغنُّوشي إلى مراجعة اطروحاته السابقة وإعادة النظر فيها، ومن ثم تبني اطروحات جديدة تقتبس كمًا لا يستهان به مما كان يطرحه التقدميون، وإن لم يُشر إلى ذلك، فكان هذا السبب الأول في ظهور الوجه الجديد للغنُّوشي وانجرافه خلف التيار (العقلاني) (المستنير) ! وترديده لأفكارهم وآرائهم في كتبه وأحاديثه.

يقول الدكتور صلاح مؤكدًا هذا:

(في هذا السياق يمكن فهم ما يصدر من حين لآخر من كتابات ونصوص عن وجوه بارزة في هذه الحركة خاصة السيد راشد الغنُّوشي، مثل كتابه"الحريات العامة في الدولة الإسلامية"... لا شك في أن هذه التحول يشكل تطورًا في

(1) الإسلاميون التقدميون (ص 128 - 130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت