الصفحة 318 من 642

وسرعان ما أطلع زادوك خان على هذه الرسالة صديقة شخصية له يدعى ثيودور هرتزل، الذي كان صحافية وكاتبة مسرحية يهودية. ويعتبر هرتزل «أبا الصهيونية، كما تعرف اليوم. كما أن كتابه المسمي والدولة اليهودية، هو إنجيل الصهيونية، ولقد أصبحت الفكرة التي بشر بها هرتزل وهي الصهيونية السياسية، فيما بعد الحل لما يسمى به المسألة اليهودية، والتي ظلت قرون عديدة شوكة في جنب الحضارة المسيحية. وكانت هذه الفكرة هي العلاج الذي عرضه للعنة معاداة السامية الضاربة في القدم، والتي واجهها هرتزل بكل بشاعتها في المجر، موطنه الأصلي، التي كانت لا تزال تشهد المذابح المنظمة ومحاكمات القتل الطقسي، وعلى الرغم من أن الوضع لم يكن سيئة جدا في فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية الهنغارية العليلة، والتي بدأ فيها هرتزل حياته العملية، إلا أن مجرد كونه يهودية كان يعتبر نقطة ضعف خطيرة بالنسبة إلى شاب طموح وذکي مثل هرتزل. ولقد كان هرتزل على استعداد لاعتناق النصرانية، إلا أنه أحجم عن ذلك

حرصا على عدم الإساءة إلى مشاعر والده. لكن في العام 1891 عين هرتزل بعد سنوات من الكفاح مراسلا في باريس لصحيفة انيوفري برس، الشهيرة التي كانت تصدر في فيينا. وقد قام وهو في العاصمة الفرنسية بتغطية قضية دريفوس المشهورة التي اكتنفت إلصاق تهمة نقل الأسرار إلى الألمان بضابط يهودي وإدانته بها بعد محاكمته محاكمة مزيفة. وتبين هرتزل مدى عمق التعصب الذي كان لا يزال موجودة في أرض الحرية والمساواة والإخاء، كذلك كان يعرف أن اليهود يعانون حملة جديدة من الاضطهاد الشديد في المعاقل التقليدية المعادية للسامية في روسيا وأوروبا الشرقية. لذا فإن هرتزل الذي كانت تراوده من قبل فكرة الذوبان الكامل في مجتمعات الأغيار كحل للمسألة اليهودية العالمية أصبح يعتنق فكرة أن معاداة السامية مرض أصاب الأغيار ولم يعد يرجى لهم منه شفاء. لذلك فقد صمم هرتزل على أن يقود قومه في الخروج من أرض العدو الدائمة. ولا بد أن يكون لليهود دولتهم القومية الخاصة.

وقد كان هرتزل نفسه مستعدة للقبول بأي أرض ليتم تحقيق هذا الهدف فيها، إلا أن معظم الصهيونيين كانوا يرون أن فلسطين هي الأرض الوحيدة الممكنة لهذا الغرض، فهي أرض أجدادهم. ثم إن فكرة العودة إلى صهيون»، والعام المقبل في أورشليم، قد ظلت حية في أذهانهم على مر القرون التي عانوا فيها النفي والاضطهاد، ولم يعد من الممكن الغير «أسطورة الأرض العظيمة في فلسطين أن تحرك الجماهير اليهودية. صحيح أن فكرة العودة أصبحت ذات مضمون روحي بالدرجة الأولى، فهي تعني الخلاص واستعادة المجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت