الصفحة 320 من 642

بنظر الله، بل إن الصلة العرقية بين اليهود الأوروبيين في القرن التاسع عشر والعبرانيين القدماء ليست إلا خرافة، بيد أن فلسطين كانت عميقة الجذور في التراث الثقافي والعاطفي اليهودي بحيث لم يجد والصهيونيون السياسيون صعوبة في إكساب فكرة العودة معنى علمانية حسية. ولهذا فقد أقر هؤلاء في مؤتمرهم الأول الذي عقدوه في بازل في العام 1897 برنامج رسمية بهدف إلى إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين، على أن يتم إنشاؤه وفق القانون العام. وكان البند الأول والأهم في هذا البرنامج هو الترويج بالطرق المناسبة لإقامة مستعمرات في فلسطين للعمال الزراعيين والصناعيين اليهودا.

وقد كان الرد الذي تلقاه الخالدي من مؤسس الصهيونية ردا معتدلا ومطمئنة جدة، إذ أكد فيه أنه ليس ثمة ما يخشي، من الهجرة اليهودية، إذ ليس لليهود من دولة محاربة تقف من ورائهم، كما أنهم في طبيعتهم ليسوا أهل حرب، بل هم عنصر مسالم تماما ويقنعون كل القناعة إذا ما تركوا وشأنهما. أما عن عرب فلسطين المن ذا الذي يفكر في إخراجهم من أرضهم؟ إننا سنزيد رفاهيتهم وثرواتهم الفردية لأننا سنأتي معنا بثرواتنا. أم هل تظن أن أي عربي يملك قطعة من الأرض سيشعر باستياء شديد إذا ما تبين أن قيمة أرضه ترتفع في وقت قصير، أو تتضاعف خمسة أضعاف أو عشرة أضعاف في بضعة أشهر؟ .. سيجد العرب في اليهود وأخوة ممتازين، وسيجد السلطان التركي فيهم درعايا مخلصين وجيدين»، وستستفيد فلسطين من ذكاء اليهود وخبرتهم التجارية وبراعتهم العملية والمالية فتصبح بلدة مزدهرة ليعود ازدهارها بالخير على الجميع"). ثم ابتدا هرتزل بعد ذلك ببضعة أشهر في كتابة رواية أسماها «ألت نيولاندو (الأرض الجديدة القديمة) ، ضمنها تصوره لفلسطين كما ستكون بفضل استعمار الصهيونيين لها، في غضون عشرين عاما فقط، وفي مشهد من مشاهد الرواية نرى الزوار الذين سعدوا بزيارة هذه البلاد اليهودية المثالية يتعرفون بأحد الوجهاء العرب، فيصحبهم في جولة في قرية مزدهرة أمنة، ويتحدث عن الحب الذي يكنه مواطنوه لإخوانهم اليهود، الذين يدينون لهم بالكثير."

ومع ذلك فقد كان الخالدي محنة، وكان هرتزل يعرف ذلك. إلا أننا إذا ما أردنا التماس الأسباب المخففة فإن علينا أن نذكر أن هرتزل لم يكن سوي فرد من أفراد عصره. ففي ذلك العهد، شهد الاستعمار الأوروبي ذروته، وكانت القارة المتقدمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت