يكن هنالك سبب لتوقع حدوث متاعب من جانبهم. إلا أن المتاعب وقعت، وعلى الرغم من أنها اكتنفت عددا من الأماكن إلا أن مركزها كان يافا. وكان السبب هو الأمر الذي أخذ في السنوات الأخيرة يميز هذه المدينة العربية الساحلية التي لا تخرج في أمور أخرى عن المألوف، وهو أمر يبعث على قدر كبير من القلق. فالمدينة أصبحت المركز الرئيسي للهجرة اليهودية إلى فلسطين. وفي يافا كان اللاجئون من الأحياء اليهودية في أوروبا الشرقية يطأون الأرض الموعودة بأقدامهم لأول مرة. وإلى الشمال قليلا من يافا بدأت مدينة تل أبيب الجديدة، مركز أكبر تجمع لليهود في البلاد، تتخذ شكلها.
كانت بداية العنف صغيرة بل تافهة. فقد جاء اليهود إلى فلسطين متسلحين بالمبادئ الاجتماعية والسياسية السائدة في شتاتهم في أوروبا الشرقية. وبما أن تلك الفترة كانت فترة هياج ثوري فإنه كان طبيعيا أن يضموا بين صفوفهم نسبة من المتطرفين البلاشفة. ومنذ العام 1909 روالحزب الاشتراكي الثوري، (أو كما يطلق عليه خصومه في استهزاء «موبسي، التي تعني بالألمانية نوعا من الكلاب الصغيرة) يحاول أن يكسب تأييد المجموعات العمالية اليهودية لمبادئ الأممية الثانية، إلا أنه لم يفلح في تحقيق نجاح يذكر في جهوده الرامية إلى إعداد تربة فلسطين للثورة الاشتراكية. وفي العام 1920 ازدادت قوة الحزب بفضل المقبلين الجدد من الاتحاد السوفياتي، إلا أن عدد أعضائه لم يتجاوز حتى في ذروة قوته ثلاثمائة عضو. وقد اختار حزب وموبسي، يوم العمال العالمي الاستعراض قوته التافهة، آخذا بذلك بالتقاليد العمالية. وكان أغلب قادة الحزب من المهاجرين بصورة غير مشروعة وقرر أن يعوض ضعفه العددي بإحداث أكبر قدر ممكن من الضجيج والاستفزاز. وفي صبيحة الأول من أيار تجمع المسلحون في مقرهم في نادي بوروشوف في حي عربي يهودي مختلط في يافا. ثم انطلقوا في الشوارع متحدين قرارة رسمية بمنع التظاهر، وتجتبوا حاجزة أقامه رجال الشرطة واتجهوا نحو تل أبيب. ووضع هؤلاء المتظاهرون على صدورهم ورود حمراء ورفعوا لافتات كتب عليها بالأحمر شعارات: «عاش يوم الأول من أيار. فلتسقط الدولة الإنكليزية الباغية، عاشت الثورة الاشتراكية، عاشت فلسطين الاشتراكية السوفياتية» . وطالبوا العمال اليهود والعرب بلغة عنيفة بالمشاركة في إطاحة المستبدين وبإسقاط الجلادين والطغاة في صفوفكم. وكانت هذه التظاهرة دعوة عالية الصوت لشن حرب طبقية، بيد أن المظلومين الذين
كانوا يحاولون إنقاذهم، إخوانهم في الدين الضعفاء، كانوا هم الضحية الأولى للحرب بل للمجزرة المجنونة التي سببتها هذه التظاهرة.