الصفحة 586 من 642

مستقل، النتائج التي توصل إليها الخالدي بعد جهود بحث مضنية. فقد بين منان الباحثان أن الأسطورة ليست مجرد تشويه كبير لحقائق متفق عليها أو يمكن قبولها، بل إن الحقائق، نفسها كانت مختلفة. لقد ردد الصهيونيون أن الأوامر بترحيل المدنيين لم تصدر فحسب، ولكنها أذيعت من محطات الإذاعة العربية، وأن أحد هذه الأوامر كان من المفتي نفسه. وكان هذا الكلام الأساس الذي بني عليه الصهيونيون حجنهم. إلا أنه عندما قام هذان الباحثان بمهمتهما الشاقة في دراسة أرشيفات الحكومات العربية التي فتحت لهما خصيصا، ودراسة أرشيفات الصحف العربية الصادرة في تلك الفترة وتقارير الاستماع لدى هيئة الإذاعة البريطانية، ولدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، تبينا أنه لم تصدر أي أوامر من هذا القبيل، فضلا عن أن تكون قد أذيعت من محطات الإذاعة.

وعندما ووجه الصهيونيون بالتحدي لإثبات دعواهم بالدليل الملموس، أي بذكر تاريخ واحد فقط من هذه الأوامر واسم الجهة التي أصدرته، عجزوا عن ذلك تماما، حتى بعد أن أصبحت كل أجهزة دولة إسرائيل تحت تصرفهم. بل على النقيض من ذلك، فقد وجد الباحثان أن السلطات العربية والفلسطينية طلبت من أبناء الشعب البقاء حيث هم، وأن محطات الإذاعة العربية ظلت باستمرار تهون من شأن الفظائع التي ارتكبها الصهيونيون وتقلل من مداها. ويبدو أن هذه السلطات كانت في الواقع تتوقع من الأهالي الذين لم تكن في أيديهم حيلة يواجهون بها الهجوم الصهيوني أن يبدوا شجاعة أكبر بكثير مما يمكن توقعه منهم بشكل معقول. وكان المفتي أبعد ما يكون عن أن بحث مواطنيه على الفرار، بل لقد انزعج جدا من ابتداء الهجرة حتى أنه أرسل إلى أحد مساعديه البرقية التالية: «إن هجرة الأطفال وغيرهم من فلسطين إلى سورية تضر ضررة بالغة بمصالحناء اتصل بالسلطات المسؤولة في دمشق وبيروت لمنع هذه الهجرة ... (2) وقد اتخذت الحكومات العربية خطوات لحمل القادرين من الفلسطينيين الذين تركوا البلاد على العودة بالقوة، وأصبحت الصحف العربية تذكر كلامة مهينة في حقهم. وقد أكدت الإذاعات الصهيونية نفسها هذا كله، فقد كانت تذيع بين الحين والحين أخبارة عن الجهود العربية الرامية إلى منع الهجرة الجماعية، وعندما بدأت الهجرة، ذکرت هذه الإذاعات أخبارها من دون أن تورد شيئا عن أي أوامر إخلاء، وحتى عندما أرادت أن تنفض الادعاءات العربية بأن الفلسطينيين أرغموا إرغامة على الخروج من ديارهم، فقد استخدمت كل أنواع الحجج إلا هذه الحجة بالذات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت