الصفحة 584 من 642

كفاءة لم تكن لديها أي سياسة مشتركة، لكنها كانت تميل إلى الاعتدال. فالدولة التي كان لديها أفضل جيش عربي وهي شرق الأردن، أوضحت بجلاء أنها ستلتزم حرفية بمشروع التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة، وأنها ستحتل الجزء المخصص للدولة العربية من أرض فلسطين وستدافع عنه، ولن تدافع عن شبر آخر. أما بقية الدول العربية فكانت في الواقع لا تزال تفكر بالحلول الدبلوماسية. وهذه حقيقة يعترف بها الصهيونيون أنفسهم. وعلى هذا ففي 19 آذار أوردت محطة إذاعة مهاغاناه أن الحكومات العربية توصلت إلى اتفاق كامل على مشروع يعتقد أنه مشروع معتدل، وينص على إنشاء نظام اتحاد عربي - يهودي من نوع ما في فلسطين. أما في حقل التخطيط العملي فلم ينعقد الاجتماع الأول لرؤساء الأركان العرب حتى آخر شهر نيسان. ولم يتخذ القرار بدخول الجيوش النظامية حتى أوائل أيار، وهو قرار ظلت مصر حتى 12 أيار مترددة في تنفيذه. ومن هذا يتبين أن العرب ربما نادوا بالويل والثبور، إلا أن الصهيونيين كانوا هم الذين فعلوه بشكل منتظم، وكان أعداؤهم يساعدونهم في ذلك.

كان قيام دولة إسرائيل، ضمن حدود أكبر من حدودها التي أعطاها لها مشروع التقسيم، وفرار أمالي فلسطين، زلزالا آلم العرب إيلامة شديدة حتى أنهم لا يزالون إلى اليوم يدعونه والنكبة. وقد احتج الصهيونيون فيما بعد بأن العرب هم الذين جلبوا هذه النكبة على أنفسهم. فهم الذين عمدوا إلى غزو الدولة الجديدة متحدين إرادة المجتمع الدولي. وبالإضافة إلى هذا فعندما تطرح مسألة اللاجئين الفلسطينيين، وهي المسألة ذات الأهمية الكبرى، يقول الصهيونيون إن ضمائرهم مرتاحة تماما، لأنهم لم يعمدوا إلى إخراج الفلسطينيين، وإنما صدرت إليهم الأوامر بالفرار من قادتهم.

إن دعوى الصهيونيين عن فرار الفلسطينيين خرافة حبكت بعد أن وقع الزلزال. فإذا استطاع الصهيونيون أن يثبتوا أن اللاجئين قد فروا من دون سبب يدعوهم إلى الفرار، بل تنفيذا لأوامر صريحة من قادتهم السياسيين، فإنهم يستطيعون تبعا لذلك أن يحرموهم من الشطر الأعظم من عطف العالم عليهم لما يقاسونه من محنة، ويرفعوا بالتالي عن أنفسهم الضغط الذي يتعرضون له للسماح للاجئين بالعودة، ولهذا فقد رددوا هذه الأسطورة في الخطابات العامة وفي الكتب التي تبدو علمية التي نشروها في كل أنحاء العالم، وكان الباحث الفلسطيني وليد الخالدي أول من فضح حقيقة هذه الأسطورة في العام 1909. وقد أكد الباحث الإيرلندي إرسكين تشايلدرز بعد سنتين، في بحث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت