وعلى الرغم من أن الكونت برنادوت جاء إلى فلسطين يحمل تصور حيوية لدوره كوسيط، ومصممة على ألا يظهر خوفا أو تحيزة، فإنه كان في الحقيقة أميل إلى جانب الصهيونيين. وكان هذا أمر طبيعية إذ إنه استاء جدا من المجازر الجماعية التي نظمها النازيون لليهود، حتى أنه قام بمبادرة شخصية نجح فيها في إنقاذ نحوا من ثلاثين ألفا من الباقين منهم على قيد الحياة في المعتقلات النازية (2) . وبالإضافة إلى ذلك فقد كان لديه شعور فطري بالميل إلى الصهيونيين الذين كان معظمهم من الأوروبيين، بينما كانت هوة حضارية تقوم بينه وبين العرب، الذين لم تكن له بهم أي صلة من قبل والذين كتب عنهم أنهم يعبرون عن أنفسهم بالأسلوب المستفيض والرسمي نوعا ما، وهو الأسلوب الذي يطبع الشرق بطابعه (3) . وكان الكونت برنادوت كذلك، مثل كثير من الأوروبيين، غارقة في العاطفة المستمدة من العهد القديم، والتي ترى في عودة اليهود إلى أرض أجدادهم تحقيقة لنبوءة. وكانت معلوماته عن المشكلة الفلسطينية مستمدة بالدرجة الأولى من مصادر صهيونية، وكان معجبة جدا بما ادعاه اليهود من أنهم حولوا الصحراء إلى جنة، وقد علق في مذكراته على العمل المدهش الذي حققه اليهود في زراعة هذا الريف الذي يشبه الصحراء ... والخطوط المتمايزة بوضوح تام بين الصحراء من جانب والحدائق الغناء وبيارات البرتقال من جانب آخر). وقد سجل هذه الملاحظة في مذكراته في زيارته الأولى لفلسطين ويبدو أنه لم يكن يدرك، وهو يسير بسيارته على طول السهل الساحلي من حيفا إلى تل أبيب، أن الأرض من حوله مي أخصب منطقة في البلاد وأن أكثر من نصفها كان لا يزال ملكا للعرب وأن العرب هم الذين يقومون بزراعتها. ومع اطلاع برنادوت الكامل على محنة اليهود الأوروبيين، فإنه لم يكن يعرف الكثير على ما يبدو عن الشقاء الذي كان يصبه اليهود كصهيونيين على غيرهم. فقد كانت معلوماته تقدم إليه من قبل مستشارين يميلون إلى اعتبار أن الفلسطينيين قوم لا أهمية لهم، فنقرأ في مذكراته أن أحد التقارير المقدمة إليه عرض له أنه:
ليس لدى العرب الفلسطينيين في الوقت الراهن ارادة ذاتية. ولم تكن لديهم في أي وقت من الأوقات أي قومية فلسطينية واضحة ولهذا فإن مطلب إقامة دولة عربية منفصلة في فلسطين مطلب ضعيف نسبية. ويبدو في الظروف الراهنة أن معظم العرب الفلسطينيين يرضون تماما بالاستقرار في شرق الأردن).
وليس غريبا أن برنادوت كان يميل في البداية إلى النظر إلى المشكلة بل وإلى
طريقة حلها