ويختلف شعور المجاهد عندما يأتي إلى زوجته أو يقابلها أو يتصل عليها وهو في ضيق وشدة وبلاء أو طالت غيبته عنها أو اشتغل عنها ببعض مشاغل الجهاد، فتقول له زوجته: أعانك الله، وكان الله في عونك، وثبتك الله، واثبت فإن ثباتك ثبات لنا، وإنما الدنيا فانية، وتثبّته وتسدّده، فإن هذا يكون دافعًا للمجاهد معينًا له.
وفرقٌ بينها وبين من يتصل عليها زوجها ويقابلها فتقول له: أين أنت؟ أطلت الغيبة عنا وقد تعبنا وضعنا من بعدك وحياتنا شديدة، ألا تريد أن ترجع إلينا؟ إلى متى هذا التشريد؟ إلى متى هذا البلاء؟ فيجد تعبًا وضيقًا وشدة وربما يكون سبب ضعف له وربما يكون سببًا لانتكاسه وتركه الجهاد والتسليم والإعراض عن الجهاد في سبيل الله والسبب هو"الزوجة".
وكم من رجل ثبت وكان سبب ثباته زوجته الصالحة، وكم من رجل ترك طريق الجهاد وكان سبب تركه زوجته التي لم ترد ولم تعزم أن تضحي في سبيل الله -عز وجل-، ولا تريد أن تحتسب شيئًا من الأجر ومن التعب في سبيل الله.
في طريق الجهاد وفي حياة المسلم كل شيء من الأجر محتسب عند الله -سبحانه وتعالى-، كل شيء؛ التعب فيه أجر، المرض فيه أجر، البرد الشديد فيه أجر، قلة الطعام فيها أجر، الضيق، الشدة، الحر الشديد، البعد عن الزوجة والأولاد، بعد الزوج عن أولاده وبعد الزوجة عن زوجها، والبعد عن الأهل والجلاء والجلوس في أرض لا يحب الإنسان البقاء فيها، كل ذلك فيه أجر يلقاه العبد يوم القيامة، فيأتي يوم القيامة ويجد في ميزان حسناته أعمالًا كثيرة ما كان يظنها أن تكون موجودة.
واحتساب الأجر في سبيل الله عند الله -سبحانه وتعالى- بابه واسع، فكلما احتسب العبد أُجر، وكما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} من هم الصابرون؟ {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} المصيبة من أي أنواع المصائب؛ التعب، البلاء، الشدة، الخوف، السفر الطويل، قلة الطعام، قلة الشراب، بُعد الزوج عن أولاده، مرض المرأة، تعبها، أذية عيالها لها، كل ما يصيبه مما تكرهه النفس فهو مصيبة. فالعبد المؤمن في مقابلة هذه المصائب هو الصابر الذي يقول: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون} ، وماهي نتيجة حالهم؟ {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَات مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} .
من أبواب الخير التي فتحها الله ويسرها للمجاهدة زوجة المجاهد معينته مما ذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما قال: (كل معروف صدقة) ؛ فأي معرف يقدمه المسلم لأخيه المسلم هو صدقة يتصدق بها ويجدها في ميزان حسناته، قد ييسر الله للأخت المجاهدة خدمة المجاهدين