فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 254

يرى دوره مقصورًا على المكتبة وما حولها! بل كان الباحث في المكتبة، والخطيب في المسجد، والمُدرِّس في الدورات الشرعية، والمتحدث في الإعلام، وكان مع كل ذلك المجاهد المقاتل المرابط في صفوف القتال، ورابَط في الصف الأول ويشارك في الغزوات وكان يتمنى أن يوفَّق لعملية استشهادية.

كان مشهودًا له بحرصه على تقويم مسيرة الجهاد وتصحيح ما فيها من أخطاء مع الحرص على جمع الكلمة على الحق، يَنصح ويوجِّه ويُربي ويُعلم يُنبِّه على الأخطاء والانحرافات، ولم يكن فوق النصيحة عنده أحد، كان يناصح الأمراء وعلى رأسهم أبو بصير وربما أغلظ له أحيانًا، يفعل ذلك لا لمجرد تتبع الخطأ ولا كمن يجتهد في البحث عن الخطأ ليبرر ترك الجهاد! وإنما حرصًا على أن تبقى مسيرة الجهاد على خط مستقيم كما يُرضي الله؛ حتى تكون كلمة الله هي العليا.

ابتُلي -رحمه الله- في آخر حياته بكلام الناس فيه ووقَع الناس في عرضه بين من يرميه بالغلو ومن يرميه بالإرجاء وما علمناه إلا بريئًا من التهمتين، عظيم الثبات في الحق لا يداهن في دينه أو يهادن، وما رأيتُ له موطنًا قدَّم فيه رضى أحد على رضى الله -كما أحسبه-.

إن مسيرة الجهاد في سبيل الله لا بُدّ لها من العلماء الربانيين، كما أن العلماء الصادقين بحاجة إلى أن يجاهدوا في سبيل الله؛ طلبًا لرضاه وبحثًا عن الشهادة في سبيله، ولا ينبغي أن يقول العالم: هل الجهاد بحاجة إليّ؟ لأن العالِم بحاجة إلى الجهاد وليس العكس.

إن دور العلماء في الجهاد لا ينبغي أن يقتصر على الفتاوى والتوجيهات من داخل المكتبات، ولا على مجرد التحريض، ولا على المراقبة من بُعْد، وإنما لا بُدّ أن يخوضوا غمار الحرب ويذوقوا مكارِه الجهاد من خوف وجوع ومطاردة، فإذا فعلوا ذلك كانت الأمة جديرة بالنصر.

إن كل أمة تنظر إلى علمائها منظر قدوة فإن فعلوا خيرًا اقتدت بهم وإن فعلوا غير ذلك سبقتهم إليه، وإن تخاذُل كثير من المسلمين عن الجهاد؛ إنما هو بسبب ترقبهم لدور العلماء، ولما رأوا كثيرًا من العلماء في هذا العصر دورُ أحسنهم لا يتجاوز التوجيه من بُعْد قعد الكثير قائلين في أنفسهم: لو كان خيرًا لسبقونا إليه. وبسبب هذا ضاعت بلاد المسلمين وازدادت ضياعًا.

والأمة بحاجة إلى العلماء الذين يسبقونها إلى الخير وتُتَّقى بهم المكاره، يؤثرون أمتهم بالصافي ويبقى لهم الكدر، يضحون بما يملكون بل يَعْرِضون حياتهم بكل ما حوَت للبيع في سوق الشهادة؛ لتعيش أمتهم بعد ذلك حياة كريمة في ظل شرع الله.

إن العالم الرباني يتخذ قدوته وإمامه محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان يخرج في الغزو كما يخرج غيره بل قال: (لولا أن أشق على المؤمنين ما قعدتُ خِلاف سَرِية تغزو في سبيل الله) وكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت