مصالحها أو لتأمين إسرائيل بحجة تأمين المنطقة, ولكن لمّا ذاقت أمريكا مرارة النزول على أراضي المسلمين ودفعت تبعًا لذلك كثيرًا من القتلى والجرحى والمرضى النفسيين, وعانت أزمة في ديونها لم يسبق لها مثيل؛ كلّ ذلك جعلها تلعن الساعة التي نزلت فيها أرض المسلمين, والفضل بعد الله يرجع إلى من جاهدوها وسحقوها حتى لم تعد قادرة على كثير مما كانت قادرة عليه، إن الله قال في كتابه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} ، إن الأمة إذا أعدت القدر الذي تستطيعه من القوّة مهما كان بسيطًا فإنه كاف للقيام بواجب المواجهة مع أعداء الأمة وله أثره في بث الرعب في نفوسهم, وإن وقائع المواجهة مع الأعداء شاهدة على ذلك في أفغانستان والعراق والشيشان والصومال والمغرب الإسلامي وجزيرة العرب.
ومن مكاسب هذه الثورات أنها أثبتت أن الشعوب إذا صممت وصبرت تصنع المستحيل, فقد ظهر أن أمة القلم والسيف بريئة من تهمة الخور والضعف؛ فهاهم أطغى طغاة العصر يُخلعون بثورة الجماهير, وإن من البطولات التي لا تُنسى ما سطره أبطال أرض الكنانة عندما قاموا باقتحام السفارة الصهيونية وليس معهم إلا المطارق والمعاول فهدموا أسوارها وخربوا مكاتبها واجتهد الجيش في ردهم فلم يستطع، ولا أنسى موقف ذلك الشجاع الذي عرضت صورته إحدى القنوات وهو يتوعد اليهود ويُخبرهم أننا قادمون بلا سلاح وإنما بأيدينا، فظهر لنا أن الأمة لا تنقصها الآلة وليس في رجالها نقص وأنها إذا ملكت الإرادة فعلت المستحيل وصنعت العجائب, وأن الذين يتهمونها بالضعف إنما أتوا من قبل أنفسهم ولو بعثوا في الأمة الإرادة وانتفضوا أمامها ليلقوا مصيرها لرأوا ما لم يكن في الحسبان.
وفي مقابل صبر وتضحية الشعوب المسلمة وقوتها ظهرت هشاشة العروش العربية, وأن إسقاطها لا يحتاج إلى كثير عناء وإنما يكفي لإسقاطها شعب أعزل متوكل على الله، يقول (لا) بعزيمة وإصرار متحملًا في ذلك كل ثمن, فما تلبث أن تسقط بإذن الله.
ومن مكاسب الثورات ارتفاع كثير من الظلم عن عباد الله, ففرج الله عن كثير من الأسرى كانوا حفروا قبورهم في زنازينهم, وأصبح الناس يجدون شيئًا من السعة في دينهم؛ فأصبحنا نرى في تونس النساء المحجبات والرجال الذين أطلقوا لحاهم بعدما كان هذا من الجرائم, وانطلقت في مصر النداءات القوية التي تدعو إلى تطبيق الشريعة, وما كان يُظن وقوعها هذا لولا أن الله لطف.
ومن مكاسب الثورات أيضًا أنها كشفت أحزابًا وشخصيات وجماعات واتجاهات لم يكتشف الناس حقيقتها إلا بعد الثورات.
كشفت الثورات أصحاب الشعارات الزائفة الذين يُتاجرون بدماء الشعوب, وأوضح مثال لهم ما يُسمى بالمعارضة في اليمن, وهي التي كانت طوال عقدين شريكة للحزب الحاكم في لعبة الديمقراطية الزائفة, هذه الأحزاب المتاجرة التي انقلبت من معارضة الثورة إلى تأييدها في يوم وليلة بعد أن رأت ثورة الشباب في